صور| درب الروبي.. أقدم مناطق الفيوم

صور| درب الروبي.. أقدم مناطق الفيوم شارع الروبي بالفيوم - تصوير منال محمود

“الشوارع حواديت” يؤكد لنا الشاعر الكبير صلاح جاهين، لكل شارع سيرة أطول من عمر ساكنيه، وفي الفيوم شارع أو درب الروبي يعد بداية حكايات انطلقت في العصر المملوكي.

عند دخولك شارع الروبي تشتم عبق الماضي الذي لا يزال حاضرًا  لكن على استحياء، تكشف واجهات بعض المنازل عن تاريخ الشارع العتيق وما كان عليه في السابق، هذا العبق الذي تشمه بمجرد أن تدلف إلى الشارع مارًا بجوار مسجد قايتباي.

العارف بالله علي الروبي 

يبدأ شارع الروبي من جهة بحر يوسف حيث يستقبلك مسجد خوند أصلاباي، والمعروف بين أهالي المنطقة بمسجد قايتباي، ذي الإطلالة الرائعة على بحر يوسف الذي يبعد بضع أمتار عن مسجد العارف بالله سيدي علي الروبي الذي كان يلقب بسلطان الفيوم، ويرجع نسبه إلى العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، وقام بإنشاء المسجد والقبة السلطان برقوق في عام 795هـ، حيث يقال إن الشيخ علي الروبي بشّر السلطان برقوق عندما كان أميرًا بأنه سيصبح سلطان وقد كان وتولى الظاهر برقوق حكم مصر، لذا أنشأ مقامًا ومسجدًا للشيخ الروبي، وتمتاز مأذنة المسجد بطابع فريد من نوعه حيث تحتوي من الداخل على سلمين.

ا.د عاطف عبد الدايم الأستاذ بكلية الآثار جامعة الفيوم
د. عاطف عبدالدايم الأستاذ بكلية الآثار جامعة الفيوم – من أرشيفه

درب الروبي النواة الأولى لمدينة الفيوم

يقول الدكتور عاطف عبدالدايم عبدالحي الاستاذ بكلية الآثار جامعة الفيوم، صاحب الدراسة الهامة “العمران والعمارة بمدينة الفيوم من القرن التاسع عشر إلى الربع الأول من القرن العشرين الميلادي.. دراسة جديدة في ضوء وثائق الوقف”، إن درب الروبي ورد ذكره في كثير من الوثائق الشرعية التي تعود بتاريخها إلى القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين.

إذ يعد هذا الدرب من أقدم دروب مدينة الفيوم بل يمكن اعتباره النواة الأولى لمدينة الفيوم خلال العصر الإسلامي، وإن كان مسمى الدرب نفسه يعود إلى العصر المملوكي الجركسي حيث ينسب إلى ضريح الشيخ على الروبي، ويضم هذا الدرب الآن أقدم الآثار الإسلامية الباقية حتى يومنا هذا مثل ضريح الشيخ على الروبي وجامع خوند أصلاباي وضريح الشيخ أبوالعدايب.

على الخريطة عام 1933

ويكمل عبدالدايم: لقد وجد على خريطة عام 1933م شارع باسم شارع درب الروبي الشرقي (شارع قدري الآن) وهو قريب من ضريح الشيخ الروبي، وتفرع عن هذا الدرب مجموعة من الشوارع والدروب التي ذكرتها وثائق الوقف ومنها: شارع العمود وهذا الشارع يمتد شمالاً من درب الروبي الشرقي عند التقائه بشارع سوق الصوف، ويسير جنوبًا حتى يلتقي بشارع سوق السمك أو شارع توت عنخ آمون “شارع الصاغة القديمة الآن”.

كما تفرع منه درب الجلفي والذي كان علي سعيد مهلهل، أحد أعيان المنطقة، شيخًا له، ويمتد درب الجلفي من شارع العمود ويسير غربًا حتى يلتقي بشارع أبوالغيط الموصل إلى حي الصوفي، وهو بذلك يعتبر همزة الوصل بين درب الروبي والصوفي.

دروب أخرى.. القاضي والداود 

كما يتفرع منه درب الداود (درب القاضي) وهو من الدروب القديمة وقد عرف مع مطلع القرن العشرين الميلادي باسم درب القاضي، ويذكر بعض الأهالي أن هذا الشارع عرف بهذا الاسم لأن منزل القاضي كان به وربما يؤكد ذلك أن تغير اسمه من درب الداود إلى درب القاضي جاء بعد ظهور محكمة مديرية الفيوم مع مطلع القرن العشرين الميلادي، حيث وقع على خريطة عام 1933م شارعان باسم شارع درب القاضي وكلاهما يمتدا من درب الروبي الشرقي (شارع قدري الآن) شمالاً إلى شارع سوق السمك (شارع الصاغة وشارع توت عنخ آمون الآن جنوبًا)، والشارع الأول يعرف الآن باسم شارع سليمان باشا ويقطعه شارع رمزي الموصل لشارع العمود، والشارع الثاني يعرف الآن باسم شارع عمر بن عبدالعزيز.

يشير العرض السابق أن درب الروبي خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كانت تحيط به منطقة كبيرة تضم درب الروبي الشرقي حتى درب حرازة (شارع النافع أو سوق الغلال الآن)، وشارع العمود ودرب الجلفي (شارع الخضري الآن)، وحارة المبيضة وشارع القيسارية (شارع فاطمة الزهراء الآن) وشارع سوق الصوف بالقرب من جامع قايتباي.

وكان هذا المربع الجغرافي قديمًا زاخرًا بالعديد من المحال التي ارتبطت بإنتاج صناعات يدوية كانت رائجة، حيث كانت تلك المنطقة تعج بحركة تجارية شملت أنواع عديدة من التجارة مثل تجارة الغلال والأقطان والأسماك، فضلًا عن ورش النحاس والذهب والنجارة والحدادة وبرادع الخيول والحمير وسروجها، وغيرها من النشاطات.

ناصر سيف الليزل خادم مسجد الروبي بالفيوم – تصوير منال محمود

طغيان المدنية

ويروي ناصر سيف الليزل، من مواليد المنطقة ويخدم ضريح سيدي على الروبي منذ 25 عامًا: تغير شكل الشارع كثيرًا، كان الشارع يمتلئ بورش النجارة، وكان والدي يملك أحدها لصناعة الموبيليا، وبعض الصناعات الصغيرة الخاصة بأدوات الفلاحة والتي كانت تستخدم في الزراعة، ولكن مع ظهور الآلات الحديثة بدأت الورش تختفي ولم يعد هناك من يقوم بتصنيع تلك الأشياء أو بيعها، كما تغيرت العمارة وحلت محل البيوت القديمة بيوت ذات طرز حديثة.

سيد إبراهيم محمد
سيد إبراهيم محمد من أهالي منطقة الروبي بالفيوم – تصوير منال محمود

مولد الروبي

ويقول سيد إبراهيم محمد، 70 عامًا: ولدت بمنطقة الروبي وكنت أعمل منذ صغري في مخبز بنفس الشارع، زمان كان الشارع يأتي إليه الناس من القرى والمراكز لشراء أدوات الفلاحة أو الأخشاب أو الغلال وغيرها، حيث كان بالشارع عشرات المحال التي تعمل في تلك النشاطات، لكن كانت فترة مولد سيدي علي الروبي في النصف من شعبان أزهى أيام السنة بحق.

كانت الناس تملأ الشارع الرئيسي والشوارع الجانبية من مختلف المحافظات، فقد كانوا يأتون قبل الاحتفال بمولد سيدي علي الروبي بأيام، ينصبون خيامهم فمنهم من كان يأتي للزيارة ومنهم من كان يأتي لبيع الحلويات والحلي وغيرها، وأذكر أنني لم أكن استطيع زيارة الروبي وقت المولد لأنني كنت أعمل في المخبز فترة طويلة لسد احتياجات زوار المقام من الخبز، يقل عدد زائري المقام للاحتفال بمولد سيدي علي الروبي عامًا بعد عام، لكن منذ العام الماضي هناك إشارات لعودة الوضع كما كان.

اقرأ أيضًا:

شارع الصاغة القديمة.. تاريخ وحكايات

الوسوم