ولاد البلد

شعراء عن صاحب «المسحراتي»: والدنا.. الذي خرجنا جميعا من عباءته

شعراء عن صاحب «المسحراتي»: والدنا.. الذي خرجنا جميعا من عباءته الشاعر فؤاد حداد

كتب – منال محمود وأسماء الشرقاوي:

مرت الذكرى الـ35 على وفاة والد الشعراء، الشاعر الكبير فؤاد حداد، أحد الذين عرفوا الشعر كما عرف الخبز والماء والبصل، وأبرز شعراء العامية المصرية، الذي عرف نفسه فقال «أنا الشاعر» ليس لأنه يكتب الشعر وينظم قوافيه، بل لأنه كان يعرف معنى أن تكون شاعرًا.

أصدر حداد أول دواوينه عام 1952 بعنوان «أحرار وراء القضبان» فكان إبداعه يخترق هدوء وحدتنا ويعصف بأوهامنا عن السكينة والدعة. فنجدنا نقول كلماته البسيطة التي شربت من نبع الفلسفة الصافي ودخلت رحابة التصوف.

أنا شاعر

يقول الشاعر محمد حسني إبراهيم عن فؤاد حداد : «كان عمنا وتاج رأسنا أبدع والد الشعراء قصائده بكل سلاسة وجمال وانسيابية، وبالرغم من بساطة الجملة إلا أنها موغلة في الأعماق زي اللي شايف صبحه بعد الفجر زي اللي غنا ف الشتا م الهجر زي اللي شاف الحليب فرحان ولا سماش أخرتها قطن وشاش ويعدي قطر العمر بس اللي باقي ف الحروف صوته وباقي طعم البلد مع جلده من صوته».

ويضيف إبراهيم: «كان يغني للحارة كأنه من الحرافيش، ويغني جنب القصر كأنه من السكان عذبت كل العيال من بعد قولك خلاص وأنت أكيد الإمام والكل جاي بعديك مين بس يقدر يقولها ف الندى يعاديك يا والد الشعرا روحك لسه جوانا عايش زي مارميت بذرة القول في بداية القول وزى ماعلمت الناس يتكلموا عربي حتى الأرض اتكلمت معاك عربي وزي ماصحيت وبقيت مسحراتي المحروسة وخدتنا أنت وعم سيد مكاوي في حواري مصر وحواديتها وزي نور الآدان بالضبط زي الكنكة ف الرمانة ع النصبة وزى طعم الشاي على الوحتين في الغيط»

ويتابع: “طعم العامية عند فؤاد حداد كلنا نعرفه وإحنا مغمضين، ولما نفتح ونقرأ تبتدي الحضرة الشريفة بكل المعاني الجميلة من صور شعرية ورؤية طالعة لآخر سما”.

السياق اللغوي الحدادي

يقول درويش الأسيوطي، شاعر عامية وباحث في التراث المصري: ربما كان فؤاد حداد الشاعر العامي الوحيد الذي أجمع على محبة إبداعه الأمي، والمثقف، والأكاديمي، وذلك لما استطاع أن يتميز به فؤاد حداد كشاعر من بساطة تكشف عمق ثقافته، وعمق يكشف الفيلسوف القابع في داخله، إضافة إلى تميز طريقته في بنائه الشعري، حيث يصعب اختلاط قصائده مع قصائد الآخرين.

ويضيف الأسيوطي، أود أن أتوقف أمام ملمح واحد من ملامح تقنية فؤاد حداد في كتابة قصيدته، وأعني به ما اسميته (السياق اللغوي الحدادي) وهو سياق يخلط بين الفصيح العامي في سياق لا تنتبه إلى ما ضفره في السياق العامي من ألفاظ فصيحة، ولا تنتبه إلى السياق الفصيح الذي انتظمت فيه الألفاظ العامية حتى تنتهي من القراءة أو السماع، وأبرز ما استشهد به في هذا الوجه من التميز هو ما أبدعه فؤاد حداد في قصيدة (الأرض) حينما قال:

الأرضْ بْتِتْكَلَّمْ عَرَبِي

تِقُولْ الله

إنَّ الفجرَ لِمنْ صَّلاه

فلا أظن هنا أننا يمكن أن نشعر أننا أمام انتقال تام من السياق العامي إلى السياق الفصيح المعرب، وهذا ما أعنيه بالسياق الحدادي، وهو القائل أيضا: كل شيء إلا الخيانة يجوز.. وهو القائل أيضًا:

مهنة الشاعر أشد الحساب

الأصيل فيها استفاد الهم

وانتهى من الزخرف الكداب

لما شاف الدم قال الدم

ما افتكرش التوت ولا العناب

عوالم الشعر الخفية

ويقول الشاعر طارق على: لم يكن حداد شاعرًا فقط، بل كان باحثا في عوالم الشعر الخفية، تارة متصوفًا، وتارة منغمسمًا في الموروث الشعبي، مهمومًا بتفاصيل الشخصية المصرية والعربية، متّحدًا معها في حياتها اليومية وقضاياها العامة، سواء الاجتماعية أوالسياسية، لقد كان كثير التجريب في إنتاج نص عامي رغم شدة مصريته، يستطيع أن يتخطى حدود لهجته فيخاطب العقل والإحساس معا.

ويضيف: أرى أن حداد – إذا جاز التلقيب-، هو أبو النص العامي، إذ لم يسبقه أحد في كتابة نص العامية في شكله المرسل (التفعيلي)، والذي يكتبه شعراء العامية حتى الاآن، فلم يكن هذا الشكل قبل حداد متعارف عليه، حيث كان القالب السائد قبل ذلك هو الكتابة الزجلية المعتمدة على (العمود) والمتسمة بالسخرية، ولنا في بيرم التونسي مثال عليها، وبفضل تجريب حداد اجتازت القصيدة العامية حدودها، وحلقت في آفاق لم تكن تحلق فيها من قبل. لذا سيظل فؤاد حداد هو صاحب براءة هذا الدرب الذي نسير عليه حتى الآن مع اختلافات الرؤى.

من الناس إلى الناس

ويقول الشاعر عبدالستار سليم: فؤاد حداد أول من أسس شعر العامية في مصر، لأن قبله كان بيرم التونسي يتميز بكتابة الزجل، إلا أنه تميز شعر حداد بأنه من الناس وإلى الناس، وقد انفعل فؤاد حداد وتأثر بالقضايا المجتمعية، وأصبح على يده الشعر العامي كالفصحى، له جمهوره وقراءه ومريديه.

ويشير سليم إلى أن جميع شعراء العامية في مصر خرجوا من تحت عباءة فؤاد حداد، حيث أثر على كل شعراء العامية المصرية الكبار صلاح جاهين، سيد حجاب، الأبنودي، مجدي نجيب، محمد كشيك، وغيرهم على الرغم من أن لكل صوت منهم طريقته الخاصة.

وعن «والد الشعراء» يقول الشاعر فوزي عبدالسميع: فؤاد حداد أحد شعراء العامية البارزين في مصر والوطن العربي، كانت كلماته عامية واضحة للجميع تغزو قلوب الجماهير بسهولة، ويصل شعره للعامي البسيط والمثقف، كلماته غير مفتعلة، تناسب جميع الفئات، أنه فارس العامية الذي جسد الواقع بين يدي السامعين من الجمهور.

وتشير الشاعرة فاطمة ثابت إلى أن فؤاد حداد كان شاعرا مغايرا، من حيث الصورة والتركيب اللغوي، ووضع الشعر العامي في موضع منمق واختار كلمات عامية راقية تفاعل معها الجمهور المصري، لأنه دافع عن هموم المواطنين ومشاكلهم، وكافح بصدق مع الشعب المصري ودافع عن الفقراء.

اقرأ أيضا

ملف| فؤاد حداد: «ألفين سنة ويفضل كلامي جميل»

حكايات مجهولة عن المسحراتي: صلاح جاهين أراد أن يغنيها

الوسوم