صور| شركة فوسفات القصير.. حكاية أثر صناعي مهدد بالزوال

صور| شركة فوسفات القصير.. حكاية أثر صناعي مهدد بالزوال شركة فوسفات البحر الأحمر بالقصير- معرض دائم للصور بمقر الشركة

كتب- إسراء محارب

كعروس إيطالية بزي وروح مصرية، آتية من زمن بعيد بعيون منكسرة ورأس شامخة، وقفت شركة فوسفات البحر الأحمر وحيدة، بعد أن استقبلت المدينة قرار بيع أرض ومحتويات شركة فوسفات البحر الأحمر، بموجة مقاومة من قبل أهالي المدينة ونشطاء مهتمين بالحفاظ على التراث والآثار في مصر.

فيما تقدم محامون من المدينة ببلاغ للنائب العام يتهم شركة النصر للتعدين، المالكة لشركة فوسفات البحر الأحمر، بهدم ونزع ملكية مبان تراثية وأثرية بمقر الشركة لصالح إنشاء مشروع “مارينا عالمي لليخوت”.

قرار الهدم

بصوت تعلو عليه نبرة الغيرة والقلق على آثار المدينة، يقول المحامي أبو الحسن بشير عمر، أحد المتقدمين بالبلاغ إلى النائب العام لوقف عملية بيع وهدم آثار شركة الفوسفات بالقصير ضد رئيس شركة النصر للتعدين إن القصير تعرضت لفترة من التهميش عقب تحول طريق البضائع والحج إلى قناة السويس، إلى أن أسس الإيطاليون في عام 1910 شركة الفوسفات، وهو الكيان الذي أعاد التوهج للمدينة من جديد، ودبت الحياة فى أوردة المدينة في عام 1916 مع بداية تصدير الفوسفات عن طريق ميناء القصير الرئيسي، حيث كان يتم نقل الفوسفات إليه عبر التليفريك، وعربات قطر السكة الحديد، وكانت الشركة شعلة الضوء التي جذبت المصريين إلى القصير للعمل بالشركة سواء في المناجم المنتشرة حول المدينة أو في المكاتب الإدارية لها.

شركة فوسفات البحر الأحمر بالقصير- الصورة ضمن معرض دائم للصور بمقر الشركة

تراث إيطالي يأبى الانقراض

يضيف أبو الحسن، أن الإيطاليين اهتموا بالحياة الاجتماعية والثقافية وشيدوا بها العديد من المباني على طراز إيطالي فريد من نوعه يحتفظ برونقه إلى يومنا هذا، فتضم الشركة “مطعم ومدرسة وكنيسة ومستشفى”، فضلاً عن المكاتب الإدارية والورش العملاقة، سواء كهرباء أو ميكانيكا، وخزانات الوقود والمخازن “التي تحول إلى نقطة تلقى بين الثقافتين المصرية والإيطالية، فشركة الفوسفات تُعد من أهم المنشآت الصناعية التي أقامتها إيطاليا في تاريخها كدولة صناعية في مصر، مما حولها مع مر التاريخ إلى مزار سياحي تقصده الوفود السياحية الإيطالية، للتعرف على المكان من قبل الأجيال الجديدة والتقاط الصور التذكارية  في جميع مباني الشركة”.

وأكد أبو الحسن، أن مقتنيات الشركة تعد من الآثار الصناعية الفريدة، التي تشهد على بداية عصر الثورة الصناعية وتاريخ التعدين في مصر، كما تشهد على أن الدولة المصرية كانت من الدول الرائدة الدخول إلى مجال التعدين والثورة المعدنية في القرن الثامن عشر.

ويوضح، أن المادة الثانية من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 3 لسنة  2010 الصادر بموجب القرار الوزاري رقم 712 لسنة 2010 نصت على أن “الآثار هو كل عقار أو منقول أنتجته الحضارة المصرية القديمة أو الحضارات الأخرى المتعاقبة عليها والتي قامت على أرض مصرية منذ عصور ما قبل التاريخ”.

وكانت وزارة الآثار، قد بدأت في غضون عام 2015 في إجراءات تسجيل العقارات والمنقولات الخاصة بالشركة والأراضي التي تقع في تلك الآثار والأراضي التابعة لها، إلا أن اللجنة المختصة التي تم تشكيلها لحصر المقتنيات والمباني الموجودة داخل حرم شركة فوسفات البحر الأحمر، لم تقوم باستكمال أعمالها مما تسبب في تعرض الآثار الموجودة داخل الشركة إلى خطر الإتلاف والهدم والنقل.

نص البلاغ المقدم لإنقاذ الشركة من الهدد

ويؤكد حسن عايش، رئيس جمعية حماية التراث بالقصير، أن الشركة تعود إلى أكثر من 110 أعوام وتحتوي على عدد هائل من المباني والمنشآت التي بنيت جميعها على التراث الإيطالي، ومن أهم المباني مبنى مفوض الشركة أو رئيسها الذي أصبح بسبب عدم الاهتمام بالمكان مجرد مباني دون مقتنيات عدا بعض المتعلقات الفضة في مخازن الشركة.

“القصير هي مدينة التعدين الأولى على مستوى جمهورية مصر العربية، حيث يتوافد عليها طلاب كليات العلوم والجولوجيا، لذلك يجب استغلال المباني في تحويلها إلى معهد للتعدين أو متحف للتعدين مفتوح يستفيد منه الطلاب ويزوه الأجانب، وبذلك نحافظ على التراث الفريد الذي تتميز به الشركة ويظل شاهد على تقدم مصر في ذلك الوقت” يقول “عايش”.
ويضيف، أنه تم ترميم مستشفى شركة فوسفات البحر الأحمر حتى أصبحت مفخرة لأهالي القصير وتم تحويلها إلى سنتر تعليمي، مع الحفاظ على التراث الإيطالي، الذي صممت عليه، كما تم ترميم منزل يدعى منزل” الشيخ” وهو على التراث الإيطالي من تاريخ إنشاء الشركة وأصبح الآن فندق المدينة.

تأميم شركة الفوسفات

يشاركه الرأي والحسرة على آثار القصير محمد عرفات، المحامي الثاني في البلاغ، قائلا إنه في عام 1960، تم تأميم شركة الفوسفات، لتصبح أصولها تابعة للدولة، وكان العمل مستمر حتي عام 1995، وهو العام الذي خصصت فيه الشركة لصالح شركة النصر للتعدين والتي تقع في مدينة “إدفو” وتم ايقاف العمل بالشركة والاكتفاء بالعمل داخل فرع واحد، والذي كان يقع وقتها على بعد 20 كيلو شمالا من الشركة، وهو “ميناء الحمراوين” وتم تسوية معاش مبكر لأكثر من 95% من العاملين بالشركة.

ويتابع: برغم ما مرت به الشركة إلا أنها ظلت تحتفظ بداخلها بمتحف تحنيط يحتوى على مجموعة من الحيوانات والطيور والمخلوقات البحرية من المنطقة، كما يوجد بها وثائق تضم خرائط قيمة للطرق في الصحاري الشرقية منذ زمن الرومان، وفقًا للسكان المحليين، وكذلك رسومات بيانية لإنتاجات المناجم من عام 1916 حتى عام 1966.

ويسرد عرفات عن الشركة، أن الملك فاروق والرئيس جمال عبدالناصر استخدما الجناح الملكي بها أثناء زيارتهما للمدينة منذ حوالي 50 عامًا.

هدم التلفريك

يلفت عرفات إلى أن شركة النصر للتعدين بدأت المأساة في عام 2003 م بهدم (التلفريك) الخاص بنقل الفوسفات من مواقع الشركة إلى الميناء الخاص بها، الذي كان يُعد من أهم الملامح التاريخية لمدينة القُصير والشاهد على ذروة التقدم والتطور في التعدين المصري، مؤكدا أن ثلث المباني لن تستطيع الشركة هدمها لأن هيئة الآثار استلمت منهم مبنيين وهم “استراحة الملك فاروق”، و”مبني الإدارة” أو “بيت الإدارة” كما يطلق عليها من فبل الإيطاليين.

تاريخ المدينة

وكأنه قُدر لمدينة القصير أن تعيش عصور من الازدهار ثم تدخل في نوبات وأزمات كأنها تحضر وتغيب عن الحياة، فقد كانت القصير الميناء الأول للدولة المصرية القديمة، فهي تضم أكبر موانئ البحر الأحمر، ومنها بدأت الملكة حتشبسوت رحلتها الاستكشافية إلى بلاد بونت، كما يوضح “عياش”.

ويضيف أنها كانت موقعا للتنقيب عن الذهب في عصور الفراعنة، وفي القرن السادس عشر ارتدت العروس زي ملوكي بعد أن حكمها السلطان سليم الأول الذي ما يزال تمثاله موجودا في وسط المدينة، وأصبح  لها ثقلا استراتيجيا حربيا، كما كانت مركزا لتجمع الحجيج المسلمين القادمين من مصر والمغرب العربي والأندلس لأداء الحج في الحجاز.

كذلك توجد بالمدينة مجموعة من الآثار المسيحية والإسلامية التابعة لعهود مختلفة، فعلى سبيل المثال توجد بها قلعة بنيت في عام 1799م، كما يوجد بها ضريح الشيخ أبي الحسن الشاذلي الذي أنشأ عام 1892 في عهد عباس حلمي الثاني، ويُقال أنّ إطلاق اسم «القصير» على المدينة يرجع إلى أنها أقصر مسافة تربط بين صعيد مصر والبحر الأحمر.

وقد تسبب تداول الحضارات والأزمنة المختلفة على مدينة القصر في تحول القصير إلى أيقونة أثرية، أو متحف مفتوح يضم آثار قبطية ورومانية في منطقة القصير القديمة شمالا في الكيلو 8، كما يوجد بها آثار إسلامية، وهي القلعة، وكذلك بعض البنايات التي في وسط البلد، ويربط طريق الحج القديم القصير بوادي النيل بطول 180 كيلو متر، ويمر بوادي الحمامات ويصل إلى مدينة قفط بمحافظة قنا، ويحوي هذا الطريق عدة آثار فرعونية ترجع إلى عصر الملكة حتشبسوت ومنجم للذهب في وادى الفواخير.

التفكير خارج الصندوق

وتابع: أن الدولة يمكنها الحافظ على الموقع كتراث مصري وحفظه للأجيال القادمة بالتفكير خارج الصندوق وتحويله إلى مزار سياحي، فهو على وضعه الحالي يزوره ما لا يقل عن 300 سائح، حيث يمكن جني وكسب ملايين الدولارات من هذا المكان إذا تم استخدامه بشكل صحيح، حيث يمكن استغلال المباني بعدة طرق منها إقامة متحف تعديني مفتوح واستوديوهات تصوير ومزار سياحي، حيث تبلغ مساحة الشركة حوالي 500 ألف متر مربع.

الأهالي وقرار الهدم

ومن جانبهم، رفض أهالي المدينة هدم الشركة، وطالبوا مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بالتدخل لوقف إجراء المزاد العلني المقرر لبيع محتويات مقر الشركة الأثري، وضمها إلى قائمة الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار، ووضع خطة عاجلة لتأهيلها للحفاظ عليها كتراث صناعي.

وبالفعل نجحت صرخات الأهالي والنشطاء الأثرين في إرجاء المزاد المزمع عقده لبيع الشركة، ولكن إلى متى وهل سيتم الاستجابة إلى مطالب الأهالي في تحويلها إلى متحف مفتوح أو إنشاء معهد تعديني يقدم كفاءات وكوادر لمنطقة البحر الأحمر كلها وهي الغنية بثرواتها التعدينية، أو إنشاء كلية للعلوم الجيولوجية، وتحويل المباني، التي تتميز بطرز العمارة الأوروبية لا سيما الطراز الإيطالي، إلي مزار سياحي أم ستنال منها يد الهدم والرغبة في مواكبة التطور العالمي وإنشاء “مارينا عالمي لليخوت”؟

الوسوم