ولاد البلد

سينمات عروس البحر المتوسط: إسكندرية ليه؟

سينمات عروس البحر المتوسط: إسكندرية ليه؟ سينما فريال

هنا الإسكندرية. المدينة التي شهدت أول عرض سينمائي في مصر كلها، وأول قاعة عرض، وأول مجلة للثقافة السينمائية، مدينة الفن والثقافة كما أطلق عليها في بداية القرن. لكنها الآن لم تعد كذلك، ما يقارب من 41 دار عرض تحولت لصالات أفراح، وتعرض الكثير من القاعات للهدم لإقامة أبراج، وما تبقى منها الآن يسكن فقط في ذاكرة من عاشوه وحكاياتهم التي تبدأ دوما بـ”كانت الإسكندرية يوما”.

عروس البحر المتوسط 

في كتابه “وقائع السينما المصرية في مائة عام من 1896-1995 “، يذكر الناقد علي أبو شادي، أن الإسكندرية لها الريادة دائما، حيث كانت العروض السينمائية هناك ما بين القاهرة والإسكندرية من عام 1898 حتى عام 1905، وتم افتتاح أول دار عرض سينمائي “سينما توجراف لوميير” بشارع محطة مصر بالإسكندرية في 30 يناير عام 1897، وكان بداية التصوير السينمائي في مصر عندما وصل مسيو بروميو موفدا من دار لوميير بفرنسا في إبريل من نفس العام وصور أول شريط سينمائي عن بعض المناظر في مصر، حيث بدأ عرض أول الشرائط في الإسكندرية في “ميدان محمد علي” بالمنشية.

كما شهدت المدينة أول عرض سينمائي ناطق بسينما محلات عزيز ودرويس، وتلا ذلك تأسيس الشركة الإيطالية “سيتشيا ” التي أنتجت أفلاما روائية وكان مديرها المصور المعروف أمبرتو دوريس، وتم إنتاج فيلم “نحو الهاوية”، كما عرض عام 1917 فيلم “ذو القناع” من إنتاج شركة مصرية بالإسكندرية تحت رعاية الأمير عمر طوسون.

كما أن هذه المدينة شهدت أول مجلة في السينما عام 1919 كانت بعنوان “سينجراف جورنال” شهرية كانت تصدر باللغة الفرنسية، وفي عام 1927 أنشئت أول غرفة للسينما بالإسكندرية وكان يديرها مجموعة من أصحاب شركات الإنتاج والتوزيع ودور العرض الأجانب، وفي 20 ديسمبر عام 1928، عرض في الإسكندرية أول فيلم ناطق في العالم “مغني الجاز” بعد أربعة أشهر من عرضه الأول في نيويورك.

بورصة طوسون

يشير  سامي حلمي، ناقد وباحث سينمائي سكندري، إلى أنه للإسكندرية أهمية كبيرة على المستوى الثقافي والفني، فالكثير لا يعلم أن نشأة السينما في مصر كانت في الإسكندرية وبالتحديد في “بورصة طوسن” – مركز الحرية للإبداع حاليا-.

وتقول أميرة مجاهد، باحثة ثقافية، إن بورصة «طوسون باشا» في مدينة الإسكندرية كانت أول مكان يعرض فيه أول فيلم سينمائي في مصر، في 5 نوفمبر عام 1896، وهي عبارة عن مبنى مكون من عدة طوابق، ويتكون كل طابق من عدة صالات مختلفة المساحة والأغراض، كان يتم استخدامها في الاحتفالات أو حفلات الرقص للجاليات الأجنبية في الإسكندرية في هذا الوقت، ومقرها شارع الباب الجديد بالإسكندرية.

وتضيف مجاهد: من خلال المعلومات التي جمعتها، كانت العروض السينمائية التي تقدم في “بورصة طوسون باشا” تبدأ من الساعة 5 إلى 11 مساءا، مرة كل نصف ساعة، وكانت تذكرة دخول البورصة في ذلك الوقت 4 قروش للرجال، وهو ثمن مرتفع بالنسبة للأسعار في عام 1896 وتم تخفيضه بعد ذلك إلى قرشين، وكانت العروض السينمائية التي يتم تقديمها عبارة عن أفلام قصيرة جدا لا تتعدى فترة عرض الواحد منها بضع دقائق، منها فيلم «المصارعون» وفيلم «المتجرد من ثيابه» وفيلم «أهالي مدغشقر».

ونشرت جريدة «لاريفوم» الفرنسية التي كانت تصدر من الإسكندرية خبرا في عددها الصادر يوم 4 نوفمبر 1896 بعنوان «السينماتوغراف» حيث جاء في الخبر: «لقد بدأ العمل في إحدى صالات بورصة طوسون باشا لتركيب أجهزة السينما توغراف ونأمل أن تكون معدة للعمل مساء غد، حيث شهدت ثاني عرض سينمائي بمدينة الإسكندرية قبل القاهرة، التي أصبحت فيما بعد نادي محمد علي، ثم قصر ثقافة الحرية حاليا وبجواره كان “كراكول الانجليز” الذي أصبح نقطة شريف ثم قسم العطارين.

ثاني فيلم ناطق

في حوار سابق لـ”باب مصر”، استعرض سامح الحلواني، فنان تشكيلي من فريق عمل مؤسسة جدران الذين تعاونوا مع ورثة بهنا لإحياء دور الوكالة بشكل ثقافي، تاريخ وكالة “بهنا” للإنتاج السينمائي التي تعتبر من أوائل وكالات الإنتاج السينمائي في مصر: أنتجت “بهنا” ثاني فيلم ناطق في مصر “أنشودة الفؤاد” إنتاج 1932، ويمكن مشاهدة مقطع كامل منه على اليوتيوب وشاركت بعد ذلك بإنتاج وتوزيع العديد من الأفلام السينمائية محليا وعالميا، وقد مرت في تاريخها بالعديد بالعقبات خاصة بعد فترة التأميم. في الوقت الحالي، تحول مقر الوكالة إلى منبر ثقافي بالتعاون مع مؤسسة جدران وأحد ورثة الوكالة بزيل بهنا.

سينمات الإسكندرية

ما يقارب من 41 دار عرض تحولت لصالات أفراح حتي نهايات القرن العشرين والألفية الجديدة، وكثير من دور العرض السينمائي في الإسكندرية تعرضت للهدم، وما تبقى منها الآن تراث ثقافي غير مادي يسكن فقط في ذاكرة من عاشوه وحكاياتهم التي تبدأ دوما بـ”كانت الإسكندرية يوما”. ذكرت مدونة تعني بالتوثيق لدور السينما والأماكن التراثية في مصر، في مقال لها تحت عنوان “جدران مدينة متعبة”، أن أغلب السينمات بالإسكندرية تم هدمها، وتخطى العدد نحو 30 دور سينما منها، سينما النصر الصيفي في الدخيلة، وسينما المنتزه الصيفي، وسينما الهلال بالقباري، وسينما الجمهورية براغب، وسينما ستار بمحطة مصر، وسينما التتويج وريتس والهمبرا والكوزمو والشرق وبارك وماجيستيك بالمنشية ومحطة الرمل، وسينما قيس وسينما ليلى بباكوس، وسينما سبورتنج ولاجيتيه وأوديون وغيرهما من سينمات الدرجة الثانية والثالثة، هدمت هذه السينمات وتحولت إلى عمارات أو مولات أو تحولت إلى ورش ومخازن، أما ما تبقى من سينمات الإسكندرية التراثية بمحطة الرمل هي، سينما راديو وفريال ومترو وأمير وريو.

“سينما الهمبرا” من أقدم وأكبر دور العرض السينمائية في محطة الرمل، تم تشييدها عام 1900، وتحول إلى سينما عام 1928، وعرض بها أول فيلم أمريكي ناطق “ابنه بيتكوكولى” في 14 مارس من نفس العام، وفقا لكتاب “وقائع السينما المصرية في مائة عام”.

ويقع مسرح وسينما الهمبرا بجوار سينما ستراند وفريال، كان مسرحها يقام عليه حفلات نجوم القرن الماضي أم كلثوم، وعبدالحليم حافظ، وعبدالوهاب، وسينماتها كانت تعرض الأفلام الأجنبية التي كانت في ذلك الوقت.

يتذكر كمال سعيد، بائع عصير، المربع الذي كانت تقع فيه السينما قبل أن تهدم منذ أكثر من 20 عام وتقام على أرضها ملاهي “السندباد” فيقول: “هنا زمان كان أحلى الأفلام الأجنبية بتتعرض، وإحنا كنا نزوغ من المدارس ونروحها زي فيلم إسبارتكوزو”، ويشير إلى باب مغلق للحائط المتبقي من سور السينما “هنا كان شباك قطع التذاكر”.

أما أحمد عبدالله، بائع فاكهة، يقف منذ سنوات طويلة أمام السينما، يتذكر قائلا: “هنا كنت بحضر حفلات الست وكان لازم ندخل لابسين البدل، وهنا عبدالحليم حافظ اضرب بالطماطم أول ظهوره ورجع تاني في الستينيات وغنى لنفس جمهور إسكندرية في الهمبرا والسينما ديه كانت مصدر رزق لكل المحلات ديه، وكان على نفس الأرض كمان سينما ريتس اللي أتهدت”.

ومن السينمات التراثية التي آثار هدمها غضب من أهالي الإسكندرية عام 2013، سينما “ريالتو” بمنطقة محطة الرمل، التي تعد تراث يحمل ذكريات العروض السينمائية في الإسكندرية خلال القرن الماضي، كان من المفترض إعادة ترميمها، لكن تم هدم أجزاء كبيرة منها لتحويلها إلى مولات تجارية في إبريل 2013، وعرضت صفحة “إسكندرية إيد واحدة” على الفيسبوك فيديو تفصيلي لتوثيق مراحل الهدم.

سينمات قائمة

على رغم من افتتاح دور عرض حديثة في الإسكندرية، إلا أنه حتى اليوم لا تزال دور العرض التراثية القائمة حتى الآن في الإسكندرية والمتمركزة في منطقة محطة الرمل تلقى إقبالا من مختلف الطبقات، فهي تعتبر أقل سعر من دور العرض الحديثة، كما أنه يفضلها بعض الرواد لأنها تذكرهم بعروس البحر الفني.

“سينما ريو” شيدت عام 1935 بشارع فؤاد، طريق الحرية، وهي سينما مكونة من ثلاثة طوابق الأرض شتوي والروف صيفي مستمرة حتى الآن، و”سينما مترو ” شيدت 1950 بشارع صفية زغلول، حاليا تم تعديلها، وأصبحت مكونة من عدة قاعات العرض ومستمرة في تقديم العروض حتى الآن، و”سينما فريال” تقع على محطة ترام محطة الرمل ويذكر أنها سميت بهذا الاسم عام 1938، نسبة إلى الأميرة فريال ابنة الملك فاروق، وهي تقدم عروض سينمائية حتى الآن.

أما “سينما أمير”، تقع في شارع فؤاد بمحطة الرمل وتعتبر من السينمات التراثية العريقة في الإسكندرية، وهي موجودة وتعمل حتى الآن، وأصبحت مكونة من عدة قاعات للعرض، وتعتبر من أشهر سينمات الإسكندرية العريقة.

اقرأ أيضا

سينمات أسيوط.. التاريخ وحده لا يكفى

ملف| الشاشة الساحرة غائبة فى أقاليم مصر

فيديو| سينما بوسعيد: وتحولت دور العرض إلى أبراج.. وجراجات

السينما في القصير.. قصة أول عربة متنقلة للعروض السينمائية

السينمات في الفيوم.. أطلال وأنقاض وذكريات

الوسوم