ستات البلد| كوكب حفني ناصف.. أول “حكيمباشي” في مصر الحديثة

ستات البلد| كوكب حفني ناصف.. أول “حكيمباشي” في مصر الحديثة كوكب حفني ناصف - مؤسسة المرأة والذاكرة

بعد آلاف السنين، لحقت كوكب حفني ناصف بجدتها الكبرى “بيست”، أول طبيبة مصرية في العصر الفرعوني عام 2400 ق.م، لتصبح أول “حكيمباشي” في مصر الحديثة، وتعيد للمرأة المصرية إنجازاتها التاريخية من جديد.

في وقت كان تعليم المرأة حق غير معترف به، كانت “كوكب” أول من تلتحق بكلية الطب، وهو ما أهلّها لتصبح أول سيدة تمارس الطب في تخصص الجراحة، وأول مصرية تتقلد منصب “حكيمباشي”، بعد أن كان قاصرًا على الإنجليزيات، وهي أول إمرأة تنضم لعضوية نقابة الأطباء، وأسست أول مدرسة للتمريض في مصر.

في إطار سلسلة ستات البلد، المقدمة من شركة ولاد البلد بالتعاون مع مؤسسة المرأة والذاكرة، نستعرض تاريخ طويل ومشرف للسيدة الأولى في الطب بمصر.

حب المعرفة

في عام 1905 ولدت كوكب حفني ناصف (1855-1919) لأب وُصف بأنه محبًا للعلم، لأنه يعتبر أن “حب المعرفة” هو مفتاح الشخصية، فهو خريج الأزهر الذي عمل مدرسًا في مدرسة للمكفوفين، وانتدب للتدريس في مدرسة الحقوق، ثم عمل قاضيًا، ثم مفتشًا للتعليم، وشارك في تأسيس الكثير من الهيئات العلمية، وكان من مؤسسي الجامعة المصرية.

كوكب حفني ناصف مع زوجها وبناتها عام 1962- مؤسسة المرأة والذاكرة
كوكب حفني ناصف مع زوجها وبناتها عام 1962- مؤسسة المرأة والذاكرة

كان للأب أثرًا بالغًا على بناته وأبنائه، وتحديدًا كوكب وملك، وهي الأخت الكبرى لكوكب في أسرة مكونة من تسعة أفراد، الأب والأم وثلاث بنات، أكبرهن ملك ثم حنيفة (1898- 1973) وكوكب (1905- 1999)، وأربعة أولاد، جلال الدين (1889-1960) ومجد الدين (1891-1978) وعصام الدين (1900-1970) وصلاح الدين (1902- 1977)، تقلدوا جميعهم أعلى المناصب.

أما عن الأم، فهي بالطبع تقدر قيمة العلم رغم عدم التحاقها بالمدارس، لكنها تعلمت في البيت وأشبعت حبها للمعرفة بالقراءة.

وفي مقابلة مع مؤسسة المرأة والذاكرة، أجرتها د. هدى الصدة، في 12 يناير 1998، تذكر كوكب اهتمام والدتها بمعرفة أخبار الناس والمجتمع والسياسة، وبراعتها في حل المسائل الحسابية المعقدة دون أن تلجأ إلى الورقة والقلم، قائلة: “لأ كانت تحب التعليم تحب تزقنا زق، وتحب تشجع التعليم قوي، هي كانت طبعًا على أيامها مكنش فيه مدارس، إنما هي علموها وخصوصًا لما قالوا إنها هتتجوز أبويا، كان متعلم، فكملوا لها دراستها في البيت، وكانت تصبح الصبح تقرأ الجورنال قبل ما حد يصحى، وتعرف كل الأخبار اللي فيها، وتقول لهم إيه اللي حصل وتحكي لهم على كل حاجة”.

شهادة كوكب حفني ناصف من جامعة لندن- مؤسسة المرأة والذاكرة
شهادة كوكب حفني ناصف من جامعة لندن- مؤسسة المرأة والذاكرة

باحثة البادية

وكما للأم والأب دور فعال في تكوين شخصية كوكب، كان للأخوات دور مهم في نشأتها، خاصة شقيقتها باحثة البادية ملك حفني ناصف، والتي لعبت دورًا في نشأتها وتلقينها الشعر والأخلاق الحميدة، وهو ما تحدثت عنه كوكب، مؤكدة أن الحزن أصاب جموع الناس عند وفاتها.

تقول كوكب عن شقيقتها:

“ملك عايشة طول عمرها، وأنا قعدت في إنجلترا 12 سنة صورتها كانت قدامي، مش على إنها راحت، إنما على إنها موجودة، ملك خلقتني قبل ما تموت وعملت مني حاجة بعد ما ماتت، ربتني في الحالتين لأنها هي علمتني… كانت بتعلمني شعر، أنا أعرف شعر عربي كتير قوي بسببها، وهي اللي علمتهولي قبل وفاتها”.

دورها في ثورة 1919

أما عن مسيرة كوكب التعليمية، فبدأت بالتحاقها بمدرسة السنية، وهي من أوئل المدارس الحكومية للبنات في مصر، وكان ذلك خلال ثورة 1919، لتساهم كوكب مع إحدى زميلاتها “منيرة روفائيل” وطالبات أخريات في إشعال الاحتجاجات داخل مدرستها ومدرسة البنين كذلك، ليتم فصلها من المدرسة لمدة عام مع زميلاتها، إثر هذا الحادث بتحريض من الناظرة الإنجليزية مس “هاردينج”.

وتحكي كوكب عن دورها في الثورة، “دخلت السنية وقامت الثورة بتاعت 19، وأنا متحمسة للثورة لدرجة قوّمت المدرسة كلها أربع سنين، وكان معايا منيرة روفائيل، وكام بنت تانيين، وقومنا المدرسة وفوتنا على مدارس الصبيان، والناظرة كان اسمها مس “هاردينج”، عملوا إيه مخابرات من ورا الشيش، قالوا دي ومنيرة روفائيل ومش عارفة مين يترفدوا وصمموا على الرفد فاترفدت”.

بعد انتهاء مدة فصلها، رغبت في الالتحاق بمدرسة الحلمية الجديدة الحكومية، رغم وجود قانون يحظر التحاق أي فرد بمدرسة حكومية في ظل فصله من أخرى، ولاقت الكثير من العداء من مس “هاردينج”، التي اتهمتها بالعداء إزاء الإنجليز، لكنها تمكنت من الالتحاق بمدرسة الحلمية.

كوكب حفني ناصف في القصر العيني عام 1967- مؤسسة المرأة والذاكرة
كوكب حفني ناصف في القصر العيني عام 1967- مؤسسة المرأة والذاكرة

بعثة الطب بعد الرفد

وهنا تأتي أول خطوة في تحقيق حلمها، حين تم ترشيحها لبعثة “كتشنر” للحصول على الشهادة التوجيهية ودراسة الطب في لندن، ورغم تصدي الناظرة لها، فقد تمكنت من السفر في عام 1922 نظرا لمساندة بعض الشخصيات المصرية العامة لها كما جاء في حديثها، فحصلت على التوجيهية الإنجليزية والتحقت بكلية الطب وعملت في مستشفى راهبات.

ورغبت كوكب في التخصص بأمراض النساء والولادة، وبالتالي طالبت بنقلها إلى مدينة دبلن بأيرلندا نظرا لتوافر كلية متخصصة في أمراض النساء والولادة هناك، ومكثت بدبلن لمدة عام وحازت على دبلوم في هذا التخصص.

عادت إلى مصر في عام 1932، وتعلمت الجراحة على يد نجيب محفوظ الشهير بنجيب باشا محفوظ، وهو أستاذ طب النساء والولادة بمدرسة الطب بالقصر العيني، ورائد علم أمراض النساء والولادة في مصر والعالم العربي والغربي، وعملت في “الاسبتاليا – مستشفى كتشنر سابقا، شبرا العام حاليًا” في عدة تخصصات مثل الجراحة والباطنة، بالإضافة إلى أمراض النساء.

السفر للسعودية

 في عام 1938، طالبها عميد الطب علي باشا إبراهيم بالذهاب إلى السعودية، بناءً على طلب الملك عبد العزيز آل سعود، لتعمل في السعودية كطبيبة لـ”حريم” الملك.

وبعد عودتها إلى مصر في عام 1941، استأنفت عملها رغم استقالة عدد من العاملين بالمستشفى بعد إعلان بريطانيا دخول الحرب، وكان حلمها هو أن تتحول لمستشفى حكومي، وبالتدريج نمت المستشفى وأصبح هناك ممرضات مصريات مدربات جيدًا، ثم تحول لمستشفى جامعي ونالت كوكب منصب الطبيبة الأولى وتولت تعليم الطبيبات الجدد، وقامت بافتتاح قسم للأطفال في “الاسبتاليا”، وفي عام 1964 أصبح المستشفى تحت إشراف وزارة الصحة.

هدى شعراوي

كرم الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، كوكب حفني، حيث حصلت على جائزة الدولة التقديرية في العلوم والفنون، كما كرمتها هدى شعراوي مع عدد من الرائدات المصريات في المجالات المختلفة، مثل سهير القلماوي، أول امرأة تخرجت من كلية الآداب، ولطيفة النادي، أول امرأة تقود طائرة.

تزوجت كوكب في سن الـ37 من أحد الأطباء المصريين، واستمرت في وظيفتها حتى تقاعدت عام 1965، وعمرها 63 عامًا، وتفرغت لتربية أحفادها.

“أتمنى أن يتذكرني الناس كطبيبة، الطب هو ما صنعني ومن علمني”.. هكذا قالت كوكب حفني ناصف عن نفسها، لتقضي أكثر من نصف عمرها في خدمة الطب والمرضى، إلى أن وافتها المنية في 4 سبتمبر 1999.

الوسوم