سبع صنايع| عم محمد: كنت بصلح «الوابور» بـ5 قروش.. والمهنة أخذت مني الكثير

كتب -

في تلقائية مغلفة بابتسامة صافية، أصر العم محمد بصل على إعداد كوبين من الشاي، مستخدما “وابور الجاز” وهو على حد تعبيره – آخر ما تبقى من مهنته – سمكرة بوابير الجاز، موضحا أنه حاليا يعتمد اعتمادا كليا على صيانة وإصلاح “الشيش”، والتي ترد إليه من أصحاب المقاهي أو بعض مدخني الشيشة، ونادرا ما يحضر إليه أحد الأهالي “وابور جاز” لإصلاحه، مردفا أنه حاليا لا يوجد منزل ليس به بوتاجاز، وإن كان البعض يحتفظ بالوابور كتراث أو ذكرى – على حد وصفه.

5 قروش
“المهنة خلاص ماتت يا أستاذ”.. هكذا استهل العم محمد بصل، أقدم سمكري بوابير بدشنا، 67 عامًا،  من عزازية دشنا، حديثه مشيرا إلى أن عائلته آل بصل امتهنت هذه المهنة بدشنا منذ ما يزيد عن 100 عام، لافتا إلى أنه في ذلك الوقت كان “وابور الجاز” يعادل البوتاجاز الآن ولم يكن هناك منزل يخلو منه.

ويتابع العم محمد: “تعلمت المهنة من أخي الأكبر وأنا في عمر الخامسة عشر، وفي وقتها كانت أجرة إصلاح أي “وابور” لا تتعدى الـ5 قروش، ولكن كان حجم ورواج المهنة كبيرا، وكنت أجني في وقتها ما بين 40 و50 قرشا، والتي كانت تعادل اليوم حوالى 200 جنيه، أما حاليا مع تراجع المهنة واعتمادي بشكل أساسي على إصلاح الشيش فبالكاد أجني ما بين 50 أو 60 جنيها، وطبعا لا تكفيني أنا وزوجتي، وأعتمد على معاش التأمينات في تغطية نفقات الشهر”.

الوابور مع العروسة
يسترجع العم محمد ذكريات الزمن الجميل، حين كان “وابور الجاز” قطعة أساسية في جهاز العروسة، منوها بأن زوجته مازالت تحتفظ بذلك الوابور منذ ما يزيد عن 30 عاما، ملفتًا إلى أن سعر “وابور الجاز” النحاسي الصغير في فترة الستينيات والسبعينيات كان لا يتعدى الجنيهات، وفي فترة الثمانينيات والتسعينيات قفز السعر ليصل إلى ما بين 5 و10 جنيهات، بسبب ارتفاع أسعار النحاس، أما حاليا فإن سعر أصغر “وابور جاز” لا يقل عن 120 جنيها، متعجبًا من أن سعر الكوشة الحالي حوالي 40 جنيها، بينما يتذكر أن سعرها حتى فترة السبعينيات لم يزد عن 40 قرشا، بينما قفز السعر في الثمانينيات والتسعينيات إلى 4 جنيهات”.

ويردف العم محمد قائلا: إن “أعطال “الوابور” كانت معروفة وتقليدية، وهي أما تسريب من ناحية البلف المرتبط بـ”الكباس”؛ وفي هذه الحالة كنت أقوم بلحامه باستخدام مادتي القصدير ومية النار، أو أن يحدث انسداد في الكوشة، ولهذا العطل توجد أداة مخصصة، تسمى “منفاخ” تقوم بنفخ الكوشة لتنظيفها من الرواسب”.

ويوضح العم محمد أن أهم أسباب عطل الوابور ترجع إلى إهمال الصيانة اليومية باستخدام إبرة مخصصة لتسليك فتحة الكوشة، أو أن يترك الوابور بدون تشغيل لفترة طويلة، ما يتسبب في تلف الكوشة والحاجة إلى تغييرها.
صنعة
ويؤكد العم محمد أنه الوحيد حاليا الذي يقتني آلة الكوردون؛ وهي آلة حديدية يدوية مخصصة لعمل تقوية للأقماع الصفيح أو الصاج، تقوم بضغط القمع في نهايته في شكل “حز” ليصبح أقوى وغير قابل للانبعاج، ملفتًا إلى أنه ورثها عن والده الراحل، ويصل عمرها حوالي 70 عامًا.

الفتايل قنبلة
ويلفت العم محمد إلى أنه مع حلول فترة الثمانينيات استحدث نوع جديد من البوابير وهو “وابور الفتايل”، يعمل بدون كوشة أو كباس، وهو أقل أمانا من الوابور التقليدي، ففي حالة التسريب يتحول إلى قنبلة، أما في حالة الوابور التقليدي فيوجد به صمام أمان يسمى بـ”النفس” يمكن فتحه فيتوقف الجاز عن الاندفاع، وحتى إذا اشتعل فإنه ينطفئ بسرعة، بسبب وجود الكوشة التي تنظم عملية انتقال الجاز من الخزان إلى الشعلة. بكثير من الرضا يشير العم محمد إلى أن المهنة سببت له بعض المتاعب الصحية، إذ أن اخيه وأبناء عمومته أصيبوا بأمراض العيون والتهابات الصدر، بسبب صهد النار وانبعاثات مادة مية النار، موضحا أنه يعاني من مشاكل في عينيه، كما أنه يعاني من آلام العمود الفقري، بسبب الجلوس لساعات في وضع القرفصاء.

يشعر عم محمد بالفخر، لقدرته المحافظة على تراث أجداده، بالرغم من انقراض المهنة، كما استطاع تربية أبنائه وإلحاقهم بالتعليم العالي، خاتما حديثه قائلًا: “بالرغم من أن المهنة أخذت مني الكثير ولم تعطني إلا القليل، إلا أنني لا أملك إلا أن أقول الحمدلله”.

الوسوم