رمضان قبل 40 عاما.. حكاوي من قلب نجع حمادي

رمضان قبل 40 عاما.. حكاوي من قلب نجع حمادي محمد زغلول أقدم وأشهر حلواني بنجع حمادي- الصورة من مجدي زغلول ابنه

من قلب مدينة نجع حمادي، شمالي محافظة قنا، مشهد كان يتكرر يوميا خلال أوائل الستينيات وأوائل السبعينيات، وبالتحديد في شهر رمضان المبارك، الذي يعرف بتميزه عن كل الشهور لدي الجميع، وبدون آلة زمن نصحبكم في رحلة للتعرف على تفاصيل وأجواء وعادات المدينة والقرى خلال رمضان قبل 40 عاما من الآن.

ملامح الشوارع  

“كان والدي المعلم عكاشة أحمد جاد لا يملك سوى عربة لا يزداد طولها وعرضها عن المتر الواحد، يدفعها ويسير خلفها من الترعة الضمرانية التى هدمت منذ سنوات حتى المنطقة الملاصقة لمبنى التضامن الاجتماعي القديم، تحديدًا مكان معرض الملابس المقام حاليًا، بشارع بورسعيد، منذ الستينات حتى أوائل الثمنينيات، يبيع مشروب البوظة، الذي تميز بطعمه الفريد عن باقي الباعة، وبعده بخطوات قليلة ناحية الكورنيش”، هكذا روى لنا البدري أو أشرف البدري عكاشة أحمد جاد ابن المعلم – رحمه الله – ما تحتفظ به ذاكرته عن أجواء رمضان.

ويشرح البدري، كان يتهافت عليه المارة وزوار النجع من كل مكان، ليروى عطشهم، خاصة في فصل الصيف، أم في رمضان فرغم كونه موسم قليل الرزق عند أغلب بائعي المرطبات، إلا أنه كان رزقه واسع لدينا فالزحام يشتد قبل موعد الفطار بساعات قليلة لحرص الناس على شرائه للإفطار به.

وكان كيس البوظة والكوب بـ5 قروش، العربة الصغيرة أصبحت كشك بعد سنوات قليلة، حتى بعد وفاة جدي ظل أبي متمسكًا بصنع البوظة حتى كبر رأس المال، تخصصنا فقط فى البوظة والسوبيا لتميزنا بها، كما أنها “وش السعد” منذ أكثر من 55 عامًا حتى الآن خاصة في شهر رمضان الكريم، عملت بها مع أبي في الثمانينات، في أوائل التسعينات أخذنا ذلك المحل.

البدري أشهر وأقدم بائع في نجع حمادي- تصوير مريم الرميحي
البدري أشهر وأقدم بائع في نجع حمادي- تصوير مريم الرميحي

على بعد أمتار قليلة من نهر النيل، كان قبل سنوات طويلة تحديدًا من الستينيات مرورًا بالسبعينيات والثمانينيات يقف محمد زغلول محمد عبدالرحمن الأخن في أحد شوارع المدينة يبيع الحلوى على “فاترينة” صغيرة، بجوار مقهى الضاني القديم القريب من كورنيش النيل، وتحديدًا في الموقع الذي يحتله حاليًا مستشفى دار الشفاء أمام المسجد العتيق، حيث لم يكن للمستشفى وجود بعد، يتهافت الناس على قطعة كنافة أو بسبوسة من صنع يده قبل أذان المغرب في رمضان.

محمد زغلول أقدم وأشهر حلواني بنجع حمادي- الصورة من مجدي زغلول ابنه
محمد زغلول أقدم وأشهر حلواني بنجع حمادي- الصورة من مجدي زغلول ابنه

يروي زغلول، “بدأت العمل في نجع حمادي في منتصف الستينات، كنت أجلب الحلوى من جرجا حيث بلدتي الأصلية وأبيعها في الفاترينة بقهوة الضاني على كورنيش نجع حمادي “كانت وش الخير” وعاملني أهلها معاملة حسنة حتى صرت منهم، وفي عام 1976 جلبت أسرتي للإقامة بالمدينة.

ويتابع: لم أفكر فى ترك فاترينتي التي كانت على الكرونيش إلا بعد هُدم المقهى لإقامة المستشفى وفكرت حينها في إنشاء محل بدلا من الفاترينة، لأن الأسعار التي كانت وقتها لا تتجاوز 10 قروش، وكان جوز الهند 59 كيلو بـ89 قرشًا، وجوال الفول السوداني بـ3 قروش.

محمد زغلول أقدم وأشهر حلواني بنجع حمادي- الصورة من مجدي زغلول ابنه
محمد زغلول أقدم وأشهر حلواني بنجع حمادي- الصورة من مجدي زغلول ابنه

كان لمربات جوز الهند، واللوز، وعين الجمل، والشكلما التى أصنعها مذاق مميز، وأعددت صنفًا لا يعرفه الكثيريين إلا من أصحاب المهنة القدام والأصليين “الميديا” هو صنف حلواني يشبه البغاشة انقرض بسبب ما يحتاجه من وقت طويل في صنعه.

ويذكر زغلول، ناداني الناس بزغلول وأحبوا صنع يدي من الكنافة والبسبوسة والفايش والبسكوت والبتي فور والغريبة خاصة في رمضان، حتى أصبح زبوني لا يقتصر على نجع حمادي فقط وإنما من المدن المجاورة.

أما الكاتبة والروائية وابنة مدينة نجع حمادي منى الشيمي، تروي ذكريات طفولتها عن أجواء شهر رمضان الكريم في السبعينيات ومرورًا بالثمانينيات، بمنطقة المسجد العتيق التي كانت هي الأكثر بروزًا لأجواء رمضان فهو يعتبر من أقدم وأعرق مساجد المدينة وزاره الرئيس جمال عبدالناصر، ووجود طابونة عدلي للخبز الذي يسمى “النبري”.

تقول الشيمي: أتذكر معسكر تدريب الجيش على الطريق الزراعي قبل الإفطار، الصبح والمغرب، في شوارع المحطة والشونة القديمة أي 30 مارس حاليًا، و15 مايو، كان أشبه بالمهرجان، والقوة الأمنية التى كانت تأمن منطقة الإصلاح الزراعي حاليًا وتحت الكوبري، الذي ضرب في إحدى الغارات.

وتضيف، نجع حمادي كانت مثل أي جزء في مصر مظاهر الاحتفال أكثر وضوحًا في شارع بورسعيد الكنافة البلدي من حسين السمان وصلاح وجمال ومحمد مدني السمان أمام بقالة جمال الدشناوي عند المسجد العتيق، و”فرقة طبيخ” فرقة موسيقية كانت تبدأ في التجول من 12 منتصف الليل في رمضان عازفة ومردده أغنيات كانت تصل عند شركة بيع المصنوعات 2 الفجر، وهي غير المسحراتي تدور بشوارع الساحل والسلاكين كنا ننتظرها كأطفال ولا ننام في رمضان، وتقبل الفرقة بعض الحلويات من خبيز العيد، والعيدية.

الكنافة البلدي- تصوير أسماء حافظ
الكنافة البلدي- تصوير أسماء حافظ

وتذكر الكاتبة، كنت أسكن وأسرتي بعمارة مجاورة لمركز تدريب الكلاب التي أقامها مجلس الثورة في ميدان المرور، على طراز مدارس الكلاب العالمية في الدور الأسفل كان مقاول أكثر ثراءً بحكم المرحلة حيث السبعنيات كنا والأطفال نلف على كل كبار السن الأثرياء ومنهم هذا المقاول مرددين كعادة تراويح “وحوي يا وحوي اديني بقشيش يا نروح ما نجيش”، وكان كبار السن يجهزون أنفسهم بورق أموال جديدة قيمة الـ5 قروش والـ10 قروش. وفي العيد 25 قرشًا.

وتستطرد: “كنا نبني فرن صغيرة ونعمل كنافة وإحنا أطفال بطوب العمارات اللي بتتبني جديدة أيامها نجع حمادي مكانتش مليانه بالعمارات كدا، وكان في مولد أنا لا أتذكر لمن لصغر سني الشديد حينها، كان يأتي بها الساحر، والقراداتي، والنشنجي، والسرك، عند شارع البوسته القديمة حاليًا، وكان في منتزة النيل شركة السكر، كان عرضه 7 أمتار على النيل أصبح الآن 2 متر، وكانت مصطبة للنيل والأسوار منذ عصر الفرنسيين والبلجيك كنا نجلس من الصبح بدري حتى أخر النهار، وقرب لعيد نشتري الهدوم من عند لوكاس مخائيل، والجزمة من بيع المصنوعات”.

أحد الأسواق بنجع حمادي- تصوير: مريم الرميحي
أحد الأسواق بنجع حمادي- تصوير: مريم الرميحي

تغيرت الأماكن والأشخاص بمدينة نجع حمادي، لكن ظل طعم البوظة أو البسوسة أو كنافة عم جمال مدني السمان المميزه وأجواء رمضان ثابتة في عقولهم وقلوبهم، ولكن تظل الذكريات والأحداث التي يحملها قلوب سكانها وعقولهم وينقلونها لأبنائهم وأحفادهم إرثًا إجتماعيًا جدير بالحفظ.

 اقرأ أيضا

الوسوم