رحلة علمية لمعهد الصحراء: كيف نعمر سيناء؟

رحلة علمية لمعهد الصحراء: كيف نعمر سيناء؟ دير سانت كاترين
كتب -

في صيف عام 1951، نظم معهد فؤاد الأول للصحراء التابع لجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) رحلة علمية لدراسة منطقة شمال سيناء، بهدف دراستها دراسة شاملة وافية في كل المجالات، ومعرفة كيفية تطوير الحياة.

قاد البعثة سكرتير عام المعهد الدكتور محمد متولي، أستاذ الجغرافيا بجامعة فؤاد الأول، والمستر مري مستشار مصلحة المساحة المصرية، وأربعة جيولوجيين، وجغرافي طبيعي، وثلاثة متخصصين في علم النباتات، وأستاذ في علم الحيوان، وأستاذ في علم التربة، وأخصائيين من وزارة الزراعة، وأستاذ في علم الحشرات “البعوض بصفة خاصة”، وجغرافي بشري، ولحق بهم أستاذ مهندس أخصائي في الهيدروليكا من السويد.

 معهد فؤاد الأول

ضمت البعثة هذا الجمع من الأساتذة والمتخصصين لدراسة المنطقة دراسة وافية ويستعين كل متخصص بتخصصه وإفادة الآخرين وربط الأقسام والتخصصات بعضها البعض، وكانت هذه التجربة الأولى في مصر ونجحت نجاحا كبيرا وشعر الأعضاء أنهم في مجتمع علمي صغير قادر على إجراء الأبحاث الميدانية الوافية.

شملت نقط البحث بحثا جيولوجيا تفصيلا لبعض مناطق شمال سيناء، هي المناطق المحيطة ببئر الحسنة، وجبل الحلال، وبحث إمكانيات المياه الباطنة، ودراسة الكثبان الرملية ووسائل تثبيتها، وبحث طبيعة الأراضي وأنواع التربة، ودراسة نباتات المنطقة من ناحية التصنيف لإتمام كتاب نبات مصر.

تجمع أعضاء الرحلة في الساعة الخامسة والنصف صباحا يوم 15 أغسطس سنة 1951م، بميدان الأوبرا بوسط القاهرة، وكان هذا الميدان هو مركز تجمع كل الرحلات والبعثات خارج مدينة القاهرة وضواحيها للجامعة سواء تحت اسمها القديم (فؤاد الأول)، أو الجديد (القاهرة).

كانت السيارات الـ6 في انتظارهم، وبعد جمع الحقائب والأمتعة توجهوا إلى مدينة الإسماعيلية ووصلوا إليها في الساعة 9.30 صباحاً، مكثوا ساعتين للراحة، في الساعة الـ11 قبل الظهر بدأوا في المرحلة الثانية من الرحلة إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، في طريق مرصوف يبلغ طوله حوالي 250 كيلو مترا متجها نحو الشمال الشرقي في سهل مموج يرتفع وينخفض، تغطيه الأحراش القصيرة المتناثرة، ولا يكاد يسكنه إنسان، ثم ارتفع الطريق فوق هضبة مترامية الأطراف، ثم أخذ يتجه تدريجيا إلى السهل الشمالي الذي تقطعه الهضاب والكثبان.

تفاصيل السير

يقول الدكتور محمد السيد غالب، الذي أعد تقريرا وافيا عن الرحلة والبعثة بشكل كامل: “قصدنا جبل المغارة في الشمال ثم جبل لبني وبعدها عند الكيلو 100 من العريش تقريبا وصلنا إلى أول نقطة من نقط الحدود التي تدل على وجود العمران وهي نقطة أبو عويقيلة وتقع على الضفة اليمني لوادي العريس على بعد 45 كيلو مترا من العريش وشاهدنا أحداث التخريب التي أحدثها الجيش الصهيوني داخل الحدود المصرية وهو نسف الكوبري المقام على تلك النقطة ونقطة الشرطة القديمة”.

وفي تمام الساعة 4.30 عصرا وصل أعضاء البعثة إلى العريش، وكانت هي عاصمة محافظة سيناء ومنها تبدأ البعثة نشاطها وتأوي إليها، مع المساء استقروا وقضوا الليلة للراحة من طول الطريق وصعوبته، وفي صباح يوم 16 أغسطس اتجه الأعضاء نحو الساحل الشمالي إلى رفح ثم عبر الحدود المصرية إلى مدينة غزة مارين بخان يونس، ثم العودة إلى سيناء مرة أخرى في اليوم الثالث بدأ فريق العمل كل في نطاق بحثه.

انقسمت المجموعة إلى قسمين، واحدة بدأت بدراسة الساحل الشمالي دراسة منظمة، والأخرى في القطاع الجنوبي، وجميع الأفراد اشتركوا في زيارة معالم العمران في شمال سيناء وتشمل مشروع سد الروافعة، ومنطقة وادي الضيقة، ومزارع وزارة الزراعة.

وصف أعضاء البعثة التربة الزراعية هناك بأنها رملية مخالطة بالرواسب السيلية وهي السائدة في شمال سيناء والماء مستخرج من الآبار، ويتراوح عمق الآبار من 15 إلى 30 مترا على طول الساحل، وتتسم بأشجار الزيتون والتفاح والكمثرى، أما المزارع النموذجية لوزارة الزراعة وتحتوي على الزيتون والعنب والتين والكمثرى والتفاح والفول السوداني.

زار أفراد البعثة على دفعتين منطقة القصيمة والحسنة، وهما من نقط العمران القليلة في قسم سيناء الوسطى كل دفعة مكونة من ثلاثة سيارات محملة بالغذاء الجاف وللمياه يكفي لمدة ثلاثة أيام.

“تزودنا بكمية كبيرة من البطيخ لأنه ثبت أنه أفضل ما يروي العليل في الصحراء، وكانت الطريق تبلغ حوالي 40 كيلو في طريق غير ممهد والحسنة قرية صغيرة لا توجد بها سكان وبات أعضاء البعثة ليلة واحدة فيها”.

اهتم الجيولوجيون بمسح مناطق ريسان وعنيزة بالقرب من “أولاد على”، على بعد 45 كيلو من العريش من الناحية الجنوبية الغربية، وكان اهتمامهم برسم الخرائط ودراسة الطبقات ظواهر الرمال والوديان الطاقة، ومسطحات الحصاء والحصباء، وقام علماء التربة والنباتات بأخذ عينات من التربة والنباتات الموجودة، لإجراء الأبحاث عليها وإمكانية تطوير طرق الزراعة والري.

أما علماء الحشرات، حنطوا الحشرات والزواحف التي كان يصطادوها لهم البدو وسيتم وضعهم في متحف الصحراء الخاص بالجامعة، كما تم التعرف على قبائل البدو المختلفة وتوزيعها الجغرافي في شمال سيناء، وتم الاستعانة برجال البوليس، ومشايخ البدو أنفسهم ودراسة عادتهم ونظمهم الاجتماعية وعلاقة الفرد بالقبيلة ونظام التقاضي والدية.

العودة للقاهرة

تحرك أعضاء الرحلة في صباح يوم 9 سبتمبر عام 1951م من مدينة العريش متجهين إلى القاهرة، لتسليم أبحاثهم إلى الجامعة ورسم الخرائط وأبحاث النبات والتربة وإدراج الزواحف وتقديم تقرير كامل كيف يتم تعمير شمال سيناء في ضوء تلك الدراسة المتشعبة.

الوسوم