ذكرى ميلاد زكريا أحمد.. عاش للفن ومات على صوت “الست”

ذكرى ميلاد زكريا أحمد.. عاش للفن ومات على صوت “الست” صورة من غلاف الكتاب الصادر عن مركز التوثيق الحضاري بمكتبة الاسكندرية ( مشاع أبداعي )
كتب -

“هوا صحيح الهوى غلاب” كانت هذه آخر الأغنيات التي لحنها زكريا احمد، الملقب بشيخ الملحنين، في رائعته التي تغنت بها كوكب الشرق أم كلثوم وخط كلماتها المبدع ببرم التونسي، ليتوفى الإثنان تباعا بعد عام من إذاعة الأغنية، وتحل اليوم الذكرى الـ149 لميلاد الموسيقار الكبير زكريا احمد، ومن اللافت للنظر أن أغنية “هوا صحيح الهوا غلاب” تلخص حالة الشيخ الأزهري، الذي غلبه هوى الموسيقى وأفنى حياته كلها يبحث عن النغم، الذي ألقى به في بحار الألحان، وكما تقول الأغنية “محسبش في يوم حياخدني بعيد”، فقد أخذ عشق الفن “الشيخ  زكريا” بعيدا، وراح يلتقط من بحاره اللآلئ والجواهر، ليصنع منها إبداعا نابضا بالحياة منذ عشرات السنين.

الشيخ الأزهري

وحسب كتاب زكريا أحمد، وهو دراسة توثيقية صدرت ضمن أعمال مركز توثيق تراث الموسيقى العربية التابع لمكتبة الإسكندرية، من إعداد إيزيس فتح الله، فقد ولد زكريا أحمد حسن في 6 من يناير لعام 1896، وكان الده ملاحظا بالجامع الأزهر، وكان حافظا للقرآن ومستمعا جيدا للموشحات الدينية، التي كان يدندن بها أحيانا في المنزل، ليرسل الشيخ أحمد ابنه للكتاب ليحفظ القرآن وهو يحدوه الأمل في أن يصير ولده من علماء الأزهر، وبالفعل يحفظ “زكريا” القرآن في سن صغير، ثم يلتحق بالأزهر ويدرس العلوم الشرعية، فيلازمه لقب “الشيخ زكريا” طيلة حياته، حتى بعدما خلع العمامة الأزهرية، ويتفوق في تلاوة القرآن ويصبح قارئا متميزا ذا صوت أجش ناضج قادر على التنقل بين المقامات الصوتية المختلفة، وفي الوقت نفسه يستهويه فن الإنشاد، ليلتحق بفرقة الشيخ على محمود الإنشادية، وبحلول عام 1914 يذيع صيته كمنشد ومبتهل شهير في المناسبات العامة.

صورة من موقع ويكيبيديا
صورة من موقع ويكيبيديا

“الفن مابيأكلش عيش”

غير أن شغف زكريا أحمد بالموسيقى والألحان لم يشبعه أداء الموشحات والابتهالات الدينية، لتلتقط أذناه أغنيات عبده الحامولي وسلامة حجازي، ليحفظها سريعا ويحرص على متابعة حفلاتهما ويبدأ في شراء كتب الأغاني والنوت الموسيقية ويحتفظ بها سرا بعيدا عن والده خوفا من ثورته، ولكن يحدث ما خشي منه زكريا، حيث يكتشف الوالد أن ابنه ألذي يعده ليكون عالما أزهريا، يريد أن يصبح “صييتا” فيغضب غضبا شديدا ويحاول إثناء ولده عن طريق الفن قائلا له “الفن مابيأكلش عيش”، ولكن هيهات، فقد تمكن سحر الموسيقى والنغم من روحه الباحثة عن الجمال.

المسرح الغنائي

وبحلول عام 1919 وبعد أن درس الموسيقى على يد الشيخ الحريري والمسلوب والقباني، يبدأ الشيخ زكريا أحمد أولى خطواته في عالم التلحين، متأثرا بالقالب الأكثر شيوعا في تلك الفترة والمعروف بالطقطوقة، وهو قالب موسيقى انتشر في القرن التاسع عشر ويتميز ببساطته وتعقيده في الوقت نفسه، إذ يعتمد على مذهب واحد مستقل يتكرر بين المقاطع الموسيقية، لتتعاقد معه إحدى شركات الإسطوانات وقتها لتسجيل ألحانه.

وفي عام 1924، تلتفت الأنظار إلى زكريا أحمد كملحن متمكن، لتتعاقد معه أشهر الفرق المسرحية في ذلك الوقت، مثل فرق “على الكسار” و”الريحاني” و”المهدية”، ليلحن أكثر من 500 لحن في 65 مسرحية.

صانع البهجة 

ويصف الروائي الكبير والأديب العالمي نجيب محفوظ زكريا أحمد في مذكراته بأنه “ابن بلد، حبوب، وابن نكته”، معتبرا إياه أظرف شخصية صادفها في حياته، وأنه تأثر به كثيرا حين كتب إحدى قصصه القصيرة “الزعبلاوي” ويشير “محفوظ” هنا إلى أن زكريا أحمد كان في جلسات السمر يقوم بدور الراوي، منوها إلى براعته في الحكى وتقليد الشخصيات في صورة كاريكاتيرية ساخرة، وأنه قادر على الاستمرار في الكلام طوال الليل دون أن يشعر المستمع بأي ملل، ويتعجب الأديب العالمي من أن زكريا كان أحيانا يلحن أغاني أم كلثوم في جلسات السمر، وحسب الكتاب التوثيقي عن زكريا أحمد، لم تخلو أغنياته من البهجة والسرور ويستشهد الكتاب بأغنية “الليلة عيد” التي أصبحت تراثا وتقليدا مصريا وعربيا لم ينجح أحد في صنع مثيل له، بالإضافة إلى أغنيات أخرى مثل “يا حلاوة الدنيا” و”يا صلاة الزين” و”الورد جميل”، ومعظمها من قالب “الطقطوقة الغنائية” التي أمسك بناصيته وطور فيه، بحسب الكتاب.

ويشير الكتاب إلى أن شيخ الملحنين كان أول من لحن للسينما المصرية في عام 1931، حين لحن أغاني فيلم “أنشودة الفؤاد” للفنانة نادرة، واشترك في الفيلم ممثلا ليقوم بدور الشرير، الذي كان مقررا أن يؤديه الفنان استيفان روستي المعروف بخفة ظله.

مع الست 

وحسب الكتاب؛ بدأ زكريا أحمد التعاون الفني مع كوكب الشرق أم كلثوم منذ عام 1931 بتلحين أغنيتين لها، هما “اللي حبك يا هناه” و”جمالك ربنا يزيده” وهما من قالب الطقطوقة، وحسب مقال للموسيقار سليم سحاب، نشر في موقع الأعمال العربية، فقد أحدث أحمد تطويرا جديدا في الشكل الموسيقى للطقطوقة، بأن جعل كل مقطع بمقام ولحن جديدين مختلفين عن المقاطع الأخرى، ويلمح سحاب إلى أن زكريا أحمد استطاع أن يحول الطقطوقة إلى مونولوج غنائي موسيقى، مستشهدا بأغنية “قولي ولا تخبيش يا زين” كما أنه كان أول من استخدم جمل كلامية داخل الأغاني.

وحسب الدراسة التوثيقية التي أعدتها إيزيس فتح الله عن “شيخ الملحنين” فقد غنت أم كلثوم من ألحان زكريا أحمد 68 عملا متنوعا ما بين الأداور والطقاطيق والأغاني الطويلة في الفترة ما بين 1931 إلى عام 1960، منها 27 عملا جمعتهما مع بيرم، أشهرها “أهل الهوى” و”أنا في انتظارك” و”هوا صحيح الهوى غلاب”.

وحسب مذكرات نجيب محفوظ، فقد غنى زكريا أحمد بصوته “يا صلاة الزين” و”الورد جميل” وأغنية الأمل، كما غنى “القلب يعشق كل جميل” من ألحانه، التي تغنت بها الست من ألحان السنباطي في السبعينات.

“كان لك معايا أجمل حكاية”

وفي 14 مارس من عام 1961 وبينما كان يستمع إلى آخر أغانيه، وحين وصلت الست إلى مقطع “كان لك معايا أجمل حكاية في العمر كله” تداهمه أزمة قلبية ليلفظ أنفاسه الأخيرة، بينما صوت أم كلثوم  القادم من المذياع يصدح “سنين ومرت زى الثواني في حبك أنت” ليرحل زكريا أحمد الذي أحب الموسيقى وأحبته الموسيقى، ليظل شيخ الملحنين.

_______________

مراجع:

1- موسوعة إعلام الموسيقى العرب، الصادرة عن مركز التوثيق الحضاري بمكتبة الاسكندرية، إعداد إيزيس فتح الله- الجزء الاول ( بي دي إف ) – دار الشروق.

2- صفحات من مذكرات نجيب محفوظ ( بي دي إف ) – رجاء النقاش – من صفحة 87 الى ص 103.

3- ملحنون صنعوا أم كلثوم (مقال) للموسيقار سليم سحاب، منشور على موقع الأعمال العربية.

الوسوم