حوار| عبدالستار سليم: شاعر كبير اختار لي اسمى.. ورقية سبب عشقي لفن الواو

حوار| عبدالستار سليم: شاعر كبير اختار لي اسمى.. ورقية سبب عشقي لفن الواو عبدالستار سليم.. شاعر ورائد فن الواو

للحوار معه طابع خاص، حيث تتساوى عنده البسمة والهيبة، الشغف والمتعة. الشاعر عبدالستار سليم (المولود عام 1940) عاشق فن الواو، الحافظ له، والحريص على الحفاظ عليه، أول من كشف الغبار عن هذا الفن، بعد أن كاد يندثر، قام بجمع نصوصه من أهالينا فى الصعيد.

“سليم” ليس فقط مجرد أمين على هذا الفن وحده، بل شاعر عامية متميز أصدر حتى الآن 12 ديوانا، فضلا عن خمسة دواوين أخرى لاتزال تحت الطبع. كما غنى أشعاره المطرب محمد حمام، و عليا التونسية، وعبداللطيف التلبانى، وثناء ندى.

عندما بدأ الشاعر الكتابة كان يوقع أعماله باسمه الحقيقي”عبدالستار محمد”، ولكن فى إحدى زياراته إلى صديقه فهمي عمر في الإذاعة التقى الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل، يحكي سليم: “بعد أن سمع أشعاري، سألنى اسمك ايه؟، أجبته:  عبدالستار محمد، قالي وبعدين أجابته: أحمد محمد مكررا وبعدين قولت سليم، فأشار أنت من هنا ورايح عبدالستار سليم، فسأله فهمي ليه يا أستاذ؟، قال له: لأن في شاعر اسمه عبدالوهاب محمد أحمد كاتب أغاني كبير يكتب لأم كلثوم، و حتى لا يقال أنك متعلق باسم عبدالوهاب محمد، ولكي يكون لك اسمك الذي يميزك”.. “باب مصر” أجرى معه هذا الحوار حول فن الواو وتاريخه.

 ما هي حكايتك مع فن الواو.. متى بدأ اهتمامك به؟

زمان في قريتي الرحمانية قبلي، لم تكن الكهرباء دخلت بعد، كان الأهالي يستعينون في إحياء أفراحهم، بإضاءة فوانيس أو لمبات الجاز، وتستدعي المداح أو الراوي يدعى حسن أبو بربري، الذى كان يحفظ السيره الهلالية عن ظهر قلب، وكانت هذه الليالي توافق دائما يوم السبت حيث سوق البلدة، كان أجدادنا يقدمون له العشاء ثم يطلبون منه أن يروى عليهم السيرة.

كنت طفلا صغيرا حينها، ولد وحيد، الليالي كانت تقام في شارعنا أمام بيوتنا أو في المندرة أو ديوان العائلة، لم أستطع فهم ما كان يقوله، لكن كنت أفهم أنه كلام موقع،  أي به إيقاع، ولأن الإيقاع بداخلنا، فالمشي إيقاع، التصفير، النفس، كل شئ بإيقاع، بعد أن ينتهي أبو بربري، كنت أذهب إلى منزله كل يوم الصبح أذهب لمنزله القريب منا، حيث لم يكن لديه أولاد، وكان أهالي القرية يطلقون على كل من أصبح راوي ” ده مضروب بالسيرة”، وكنت أقول له يا عم حسن يا ريت تسمعني الحاجات اللي كنت بتقولها إمبارح، كان يفرح أن حد بيسمعه، وهو كان يحبني ولأني كنت من المحظوظين الذين التحقوا بالتعليم، كان يقول لي بمفرداته البسيطة سيصبح لك شأن، أنا حفظت منه حاجات كثير، وحين عودتي للبيت كنت أقول ما سمعته من السيرة لأمي:   ‏

ولا عايمة إلا ما ترسى.. وتيجي برها بالسلامة.. 99 كرسي وقفوا للسمر سلامة

‏ أمي السيدة رقية كانت مثل نساء القرية تعرف العدوده ولا تعرف السيره الهلالية، كان يدور بينا حوار طويل، أنا أروي لها ما سمعت من فن الواو في السيرة، وهي ترد بالعدودة، حتى جذبني الأمر أكثر وأسمع إيقاع أحلى ومختلف، لأن العدودة فن نسائي بحت لا يقوله الرجال تقوله النساء فقط وبنغمه صوتية معينة ومؤثر جدا، حتى أنى حتى الآن حينما أسمع العدودة لا أمتلك دموعي، ‏تقول أمي:

بحري البلد ساعي معه ورقة

يا ولد سلام ولا خبرغربه

بحري البلد ساعي معه جواب

يا ود سلام ولا خبر غياب

خبر غياب مقصود به الموت، كلمة خبر هنا تقصد خبر موت، لأن أهالينا وناسنا قديما، كانوا يسافرون من قراهم سعيا وراء لقمة العيش بالمدن الكبرى القاهرة وإسكندرية، وتجلس النسوة خاصة كبار السن أمام بيوتهن التي يتركن بابها غير مغلق في الغالب تخططن في الأرض الترابية، حيث الطرق جميعها ترابية، حتى ترى البسطاوي أي عامل البوستة، قادم من بعيد تفتكر ابنها الذي سافر للبحث عن مصدر دخل، فتقول ياريت البسطاوي يكون أتى منه جواب ولو جواب يا ترى فيه سلام ولا خبر موت.

ولكن لماذا ارتبط الواو  بأهل الصعيد؟

فن الواو هو فن شعري شعبي مثل العدوده والمواويل والأمثال الشعبية، وكل هذه الفنون من ابتداع الرجل الأمي الذي يعيش في قرى مصر وخصوصا قرى الجنوب، حيث كان المواطن يعبر عن شكواه من ظلم الحاكم في العصور المملوكية والعثمانية، وقد اختار هذه الصيغة للهروب من العقاب، وحتى لا يتعرض للأذى إذا ما سمعه أحد وهو يعارض أو يهاجم فكان يقف بين الناس ويقول: “وقال الشاعر ولا حد خالي من الهم حتى قلوع المراكب أوعى تقول للندل يا عم لو كان على السرج راكب”.

أي أن فن الواو كان سلوى سكان قري الصعيد، قديما في عصور القهر، كان وسيلة من وسائل المقاومة، وحكى لي كبار السن من قريتي أمثال عم محمود، أن أجدادنا كان يفرض على كل جلباب جديده يلبسونها ضريبة بعد تفصيلها كان يجمعها المحتسب ويقوم بوضع ختمه على كتف الجلباب، فكان الأهالي يخشون غسل الجلباب حتى لا يمسح حبر الختم فتفرض عليهم ضريبة جديدة، والمحتسب هو جابي الضرائب كان يتم اختياره إما من القرية بشرط أن يكون قاسي القلب ويستطيع جمعها بلا رحمة رغم فقر الحال، أو يرسل من القاهرة حيث سدة الحكم، فكان الرجال والنساء بقرانا في الجنوب يتجهون للبوح بشكواهم  من الزمان وغدر الخلان والبكاء على الميت الرجال أتجه إلى ما يسمى فن الواو، وقال الشاعر: ولا حد خالي من الهم حتى قلوع المراكب أوعى تقول للندل يا عم لوكان على السرج راكب والمقصود بالسرج راكب هم المماليك، لأن المواطن الغلبان في القرية كان وسيلته هي الحمار أو الجمل إلا لو كان عمده أو ثري كان من الممكن أن يربي حصان أو اثنين، لكن كانوا يقصدون بذلك من يركب الأحصنة وهم الحاكم المملوكي بدون ذكر اسمه، وكان هذا الكلام يقال أمام الناس على المصاطب وبالليل في سهرات الالتفاف حول الجرون أي أكوام القمح أو جلسات لعب السيجا.

وما سبب التسمية؟ ولماذا قنا الأكثر تأثرا بشعر الواو؟ 

لأن الشاعر في الواو يبدأ بقول “وقال الشاعر” يسبق الفعل قالب واو لينسبه لآخر مجهول حتى لا يتعرض للأذى، ثم المربعات التي تتكون من 4 شطرات يحملون القضية كاملة، لا تحتاج مربع قبله وبعدها، مثل المبتدأ والخبر.

أما عن خصوصية فن الواو وعلاقته بقنا تحديدا لأن القصيدة العربية هي فن العربية الأول، حيث لم يكن يوجد سينما، مسرح، تليفزيون، فقط الشعر، وعندما جاء الفتح الإسلامي لمصر أتوا من جهة البحر الأحمر ونزلوا للمكان الأقرب محافظات الصعيد قنا، وسوهاج، وأسيوط، والأقرب هو الصعيد الجواني حينها للإقامة في المنطقة التي اسمها قنا الآن، فهي أطول محافظة بعد البحر الأحمر استقروا بها وكانوا يقضون سهراتهم الليلية مع العرب ويرددون الشعر فتأثر أبناء قنا ومراكزها تعلموا منهم ترديد الشعر، رغم عدم معرفتهم إجادة القصيدة العربية حينها بالفصحى خاةص البحور الشعرية الطويلة الخاصة بالعرب، فظهرت قصائد ومربعات بلغتهم العامية فاتخذوا من البحر شعري في كل شطره له ثلاث تفعيلات حتى أنهم أزالوا التفعيل الثالثة وأصبحت الشطره تفعيل ثاني أي تعلموا الشعر من العرب الذين أتوا أثناء الفتح الإسلامي، وهذا هو السبب الذي اختصت من أجله قنا فن الشعر.

ما هي المربعات الأقرب لقلبك من فن الواو؟ وما هي التي تعبر عنك؟ 

المربعات الأقرب لقلبي: (عيني رأت سرب غزلان، فيهم غزاله شريده، والقلب لما تنغزلان، شاور وقال لي شاريده)، البعض يستسهل فن الواو ولكنه من أصعب فنون القول في أربع شطرات يجب أن تكتب قضية كاملة ولابد أن يكون الشعر لديه غزارة لغة حتى لا يقع في فخ عدم وجود القوافي المناسبة، ووقع في ذلك كثيرين لعجز قاموسهم اللغوي، أما عن المربعات المعبره عني: (صاحبي اللي صاحبته مسا، فات سافر وطول غيابه، كم صبح عدي ومسافات، لا جى ولا جى جوابه).

الوسوم