حكايات مقاهي الإسكندرية المنسية

لا تخلو شوارع مصر وحاراتها من المقاهي الشعبية، بعضها اشتهر برواده من الفنانين أو المثقفين، ولا تخلو هذه المقاهي من الذكريات والحكايات، لدرجة دفعت الإعلامية الراحلة سامية الإتربي، لتسمية برنامجها الشهير بـ”حكاوي القهاوي”، وكذلك لا تخلو الأفلام السينمائية من مشهد المقهى، والأحاديث الجانبية، أثناء تدخين “الشيشة”، أو احتساء فنجان القهوة، أو كوب الشاي.

في الإسكندرية وبالتحديد في منطقة المنشية، وبحري العريقة، تنتشر المقاهي التراثية التي كانت شاهدة على ذكريات خالدة، تملكها أسر توارثتها جيلًا بعد جيل، ومعظمها كان ملكًا للخواجات، المرادف المصري لأصحاب الجنسيات الأوروبية، خاصة اليونانيين، الذين اشتهروا بامتلاك المقاهي والبارات في الإسكندرية.

قهوة هندي

في ميدان المنشية، بعد أن تسير لتقترب من زنقة الستات، ستتوقف على بعد أمتار من الزنقة، لتمر داخل ممر جانبي، لتجد نفسك في مواجهة ورشة لصناعة الورق والحلوى، وإذا سرت قليلًا ستجد كراسي مقهى “هندي” التراثي مقصد الكثير من الشباب والفنانين والمثقفين.

يقول طارق هندي، ابن علي هندي، مالك المقهى، إنه يدير المقهى بمساعدته شقيقه حسن، وأنه يحرص على المحافظة على تراث المقهى الذي كان ملكًا في يوم من الأيام لسيدة يونانية تدعى “ماريا خريستو بانيس”، بالمشاركة مع والده على الهندي، لكن اشتهر  المقهى منذ إنشائه باسم قهوة على الهندي، المقهى موجود وسط مبان سكنية تراثية، كان يطلق عليها قديمًا “الوكالة”، وهي مكان يتكون من عدة بنايات بمداخل خاصة بها، تنتشر فيها المحلات التجارية.

واشتهر المقهى بطراز أثري يجذب طلاب الفنون الجميلة، إضافة إلى اهتمام طلبة معاهد التمثيل بتصوير أفلامهم ومشروعات التخرج فيه، مثل فيلم “ملاكي إسكندرية” لأحمد عز”.

.و قد أهتم طارق هندي بمواكبة العصر و أنشأ صفحة على الفيس بوك لينشر صور المقهى و يتحدث عن تاريخه و يروج للمقهى و تحمل الصفحة اسم “قهوة علي هندي”.

         
قهوة فاروق

من أشهر مقاهي منطقة بحري، تحديدًا في الجهة المقابلة للبحر في شارع جانبي، يافطة مميزة جدًا ومنحوتات النحاس على الحائط الخارجي التي حفرت عليها تاريخ المقهى، واسمه بحروف كبيرة “قهوة فاروق 1928”.

هنا تجد أمامك البوابة الخشبية تعلوها علامة التاج الملكي، في شارع كان يطلق عليه شارع “التتويج” لارتباطه بمرور الملك فاروق أثناء تتويجه متجها إلى قصر رأس التين، كما يقول أحد رواد المقهى.

بعد الدخول من البوابة الخشبية للمقهى ستجد صور عدة للملك فاروق، وصور له و هو يشرب “الشيشة”، وأعمدة هذا المقهى من الرخام، ومصابيح الإنارة من النحاس، وتجد في كل ركن فوق الشبابيك الخشبية حرف “F” نسبة إلى الحرف الأول من اسم الملك فاروق بالإنجليزية.

ويقول شريف شعبان، عامل بالمقهى، إن تاريخ إنشائه يعود إلى العام 1928، كما هو محفور على القطع النحاسية على الجدران الخارجية للمقهى، وأن سر تسمية المقهى باسم فاروق، يعود إلى يوم تتويجه، حيث كان موكبه يمر في الشارع الذي يوجد به المقهى، متجهًا إلى قصر رأس التين، مكان التتويج، وكان المقهى ملك سيدة يونانية تدعى ماري بيانوتي”، وقبل تسميته بمقهى فاروق كان اسمه مقهى “كاليميرا”، وتعني صباح الخير.

وعندما مرّ الملك فاروق أمام المقهى، استوقفته السيدة “ماري”، مشيرة له ليقبل دعوتها لاستضافته داخل المقهى، و منذ ذلك اليوم، تغير اسم المقهى إلى “فاروق”، وكل ما فيه من ديكورات تعبر عن الاسم، وكان الملك يأتي إليه، ولديه مكان مخصص مرتفع قليلًا داخل المقهى، وبه سور حديدي مثل بنوار السينما، أعد خصيصًا ليجلس به الملك، و كل الأعمدة والإضاءات التي يحتويها المقهى، من خامات نادرة.

وعن ملاك المقهى الحالين وحفاظهم على الشكل التراثي له، يقول شعبان إن ملكية المقهى آلت إلى من بعد ماري بيانوتي إلى المستشار سيد همام، ثم أولاده الذين كانوا مصرين على الاحتفاظ بالطابع التراثي داخل المقهى، ورفضوا جميع عروض شراء الرخام النادر الموجود بالأعمدة، فهم يقدرون القيمة التراثية لهذا المقهى حتى أنهم احتفظوا “بسابورة” كانت مخصصة لكتابة الأسعار.

ومن أهم المشاهير الذين زاروا وجلسوا في المقهى، العالم الراحل الدكتور أحمد زويل، والفنان فؤاد المهندس، والكاتبة فتحية العسال، ونجيب محفوظ، وكثير من مشاهير الفن والثقافة.

مطحن ومقهى سفيانوبولو

بالقرب من سنترال المنشية، على بعد أمتار، وفي طريقك إلى محطة الرمل، ستجذبك رائحة البن القوية المنبعثة من مطاحن بن ستيفانوبولو، الذي بداخله مقهى صغير لمحبي شرب القهوة.

داخل المطحن ستجد تماثيل ومقتنيات تراثية، تعود لمؤسسها ومالكها الأول اليوناني سفيانوبولو، وعندما تدخل سيعطيك أحد العاملين بالمطحن مطبوعًا كتب فيه تاريخ تأسيس المطحن بمناسبة احتفاله بمئويته منذ عامين.

تأسس المطحن عام 1908، وكان في البداية مكتب بريد يوناني ملك سيفانوبولو، الذي ورثه ابنه ميخائيلي، الذي كان صديقًا لمالك المقهى بعد ذلك حسن علي طنطاوي، الذي شارك ميخائيلي عام 1932، وحولاه إلى مطحن للبن.

ويقول طارق طنطاوي لولاد البلد، وهو أحد أبناء مالك المطحن حسن علي طنطاوي، وأحد ورثة المطحن: “عندما تنازل ميخايئلي عن المطحن لوالدي، اشترط أن يحتفظ به كما هو، حتى الافتة الخارجية، فوافق والدي، ونحن من بعده مازلنا محتفظين بها، لدرجة أننا محتفظين باليافطة بتاعة البريد اليوناني، اللي تحت اليافطة بتاعة المطحن التراثية.

و يضيف ” أنا بحب المهنة ديه و بحب الشغل القديم اللي مفيش منه دلوقتي ” و يشير على أحد الحوائط” ده مثلا ميزان نحاس تقيل من زمان تحفة ” و يشير إلى تمثال وضعه في مكان مرتفع “ده تمثال لنحّات إيطالي، عمره من عمر المكان، من الخشب، واتعرض عليا فلوس كتير عشان أبيعه لكن رفضت، اللي صمم التمثال ده عمل خمس قطع منه على مستوى العالم، منهم اتنين عندنا، ده تراث مش ممكن نفرط فيه”.

مقهى سيفانوبولو (البورصة التجارية حاليًا)

بين منطقة المنشية، ومحطة الرمل، وفي مواجهة البحر، مساحة واسعة لمقهى اشتهر بجلوس العديد من الشباب وطلاب الجامعات عليه، هذا المقهى من المقاهي التراثية وكان ملكًا لسفيانوبولو، قبل أن تأخذه عائلة تدعى عائلة “عليوة”، بحسب ما قاله أحد عمال المقهى.

مقهى الإسعاف

بالقرب من صيدلية الإسعاف، واحدة من أقدم الصيدليات في المنشية، يوجد مقهى يحمل الاسم نفسه، أنشىء في منتصف القرن الماضي، ورغم التجديدات التي شهدها، إلا أن مالكيه احتفظو بالطابع التراثي للمقهى.

مقهى سيد درويش

في منطقة كوم الدكة بمحطة الرمل، اعتاد الكثير من سكان المكان، والفنانين، أن يأتوا إلى مقهى ليعيدوا تذكر وغناء أغاني سيد درويش موسيقار الشعب.

و قد اعتقد الكثير من زوار ورواد المقهى، أن سبب التسمية يعود إلى زمن سيد درويش، وأنه كان يجلس عليه في مسقط رأسه كوم الدكة، إلا أن أحد سكان المكان ورواد المقهى، في نهاية العقد السابع من عمره، وأحد أصدقاء عائلة البحر درويش، أخبرنا أن هذا المقهى تأسس في منتصف القرن الماضي، بعد رحيل سيد درويش، وهو يحمل اسمه تخليدًا لذكراه.

الوسوم