حكام وجوامع| مسجد عمرو بن العاص.. القبلة الأخيرة في شهر رمضان

حكام وجوامع| مسجد عمرو بن العاص.. القبلة الأخيرة في شهر رمضان جامع عمرو بن العاص - تصوير: أميرة محمد

تصوير: أميرة محمد

“والله لسه بدري والله يا شهر الصيام” مع الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك، نشعر بالفقدان وكأن هناك من يهم بالرحيل عنا، فهو شهر يحمل في نفوس جميع المصريين عامة والمسلمين خاصة، قيمة لا تضاهي أي فترات أخرى في العام، شهر الخير واليمن والبركات والتعبد والإقامة والصلاة والصيام يرحل، لتسمى الجمعة الأخيرة به بـ”الجمعة اليتيمة”، فنقدمها لكم ضمن سلسلة “حكام وجوامع” بالتعاون مع محمد خليل، مدير إدارة الوعي الأثري، مودعين شهرنا الكريم من مسجد عمرو بن العاص بمدينة الفسطاط.

هو “إمام المساجد ومطلع الأنوار اللوامع، طوبي لمن حافظ على الصلوات فيه وواظب على القيام بنواحيه”، ارتبطت الصلاة الأخيرة من شهر رمضان لدي الخلفاء المسلمين وسلاطين مصر بجامع عمر بن العاص، بعد أن أتموا الصلاة في الثلاثة الجوامع الأولى مها الجامع الأزهر الشريف، وجامع الحاكم بأمر الله، وجامع أحمد بن طولون، كمظهر من مظاهر الاحتفال بالشهر رمضان الكريم.

وحدد الحكام الفاطميين الصلاة الأخيرة بجامع عمرو بن العاص، لعدة دلالات منها وفاة عمرو بن العاص في الأسبوع الأخيرة وتحديدا في وقفة عيد الفطر، كما أن الخليفة الحاكم حينها بعد إعادة ترميم الجامع قام بافتتاحه فى الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، وأيضا مراد بك أخر الحكام المماليك والذي أحدث تطورا هائلا في عمارة المسجد ومساحته، وقام بافتتاحه في الجمعة الأخيرة. فارتبطت مع الخلفاء وسلاطين مصر صلاة الجمعة الأخيرة فى جامع عمرو بن العاص.

مئذنة جامع عمرو بن العاص من الخارج

عند تأسيس كل مدينة لابد أن توجد قصة دالة على بناءه، هكذا يحكي محمد خليل، بداية إنشاء مدينة الفسطاط الكائن بها جامع عمر بن العاص، عند قدوم عمرو بن العاص إلى مصر حاصر حصن بابنيلون لمدة 7 أشهر، وأثناء الحصار كان النيل يمر من أمام الحصن فاختار المكان مقر عسكره له وجنوده، وبعد افتتاحات في محافظات مصر، عاد إلى معسكره فوجد حمامة ترقد في خيمته فاختار أن تكون مدينته وسماها بالفسطاط.

المدينة الحاكمة

أصبحت المدينة هي المدينة الرئيسية لمصر على مر عصورها فبرغم من إنشاء عدد من المدن كالعسكر والقطائع ومدينة القاهرة، إلا أن الفسطاط كانت هي المدينة الرئيسية حتى أن مصر بأكملها كانت تسمى بالفسطاط، ليقرر بعد ذلك أن يؤسس مسجد للصلاة في منتصف الشارع، مسجد بشكل بسيط لا يحمل من مكونات العمارة أمرًا فقط كان من الخوص وجريد النخل في سقفه والطوب اللبن من حوائطه، الحصى في أرضه، فمساحته عند تأسيسه حوالي  50 ذراعا طولا فى ثلاثين عرضا، وهو الآن 120 في 110 أمتار.

يذكر كتاب “القاهرة جوامع وحكايات” للمؤلف حمدي أبوجليل: الجامع بدأ عمرو بن العاص في بناء الفسطاط وأطلق عليه اسم “مسجد الفتح”، ثم “الجامع العتيق”، و”تاج الجوامع”، ثم استقر على اسمه عمرو بن العاص، وهو صاحب مكانة رفيعة بين مساجد القاهرة باعتباره رابع مسجد جامع بعد المسجد الحرام ومسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام والمسجد الأقصى.

أما عن طريقة إنشاء الجامع والأيدي التى عملت فيه، فينقل الكندي عن يزيد بن أبي حبيب قوله “سمعت أشياخنا ممن حضروا مسجد الفتح يقولون: وقف على إقامة قبلته ثمانون رجلا من أصحاب الرسول الله فيهم زبير بن العوام والمقدام وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء وفضالة بين عبيد بن عامر، وفي رواية أخرى أسس مسجدنا هذا أربعة من الصحابة أبو ذر أبة بصيرة بن الزبيدي ونبيه بن صواب”.

وفي بدايته اتخذ عمرو بن العاص فيه منبرا قيل إنه كان عبارة عن جذع أو قاعدة نخلة ومن فوقه ألقى عمرو خطبة الجامع الأولي.

فيما يحكي لنا الرحالة ناصر خسرو الذي زار الجامع  خلال (1045م – 1047م) في عهد الخليفة المستنصر الفاطمي ووصفه بأنه كان قائما على أربعمائة عمود من الرخام، و كان يوقد في ليالي المواسم بأكثر من أربعمائة قنديل، ويفرش بعشر طبقات من الحصير الملون، وهو مكان اجتماع سكان المدينة الكبيرة، و لا يقل من فيه في أي وقت عن خمسة آلاف من طلاب العلم والغرباء والكتاب الذين يحررون الصكوك والعقود.

قبة جامع عمرو بن العاص

تطور الجامع

ظل الجامع على مساحته وعمارته الأولي طوال فترة الخلفاء الراشدين ولم يشهد أي إصلاحات أو إضافات سوي في عهد الخليفة معاوية بن أبي سيفان الذي أمر والي مصر مسلمة بن مخلد الأنصاري بزيادة مساحة الجامع فضم إليه مساحة كبيرة وبني به أربع صوامع فى أركانه وفرشة بالحصر، أما الزيادة الثانية فكانت في عهد عبدالعزيز بن مراون الذي هدمه ووسع مساحته سنة 79 هجريًا.

رغم أن الجامع الأزهر كان مسجد الدولة الرسمي في عصر الخلافة الفاطمية، إلا أنهم أولوا اهتماما شديدا بجامع عمرو بن العاص وأحاطه العزيز بالله ثانى الخلفاء الفاطميين بمساقف الخشب وجدد بياضه، وكذلك الخليفة الحكام بأمر الله الذي يقال أنه اشتري أرضه من أحفاد عمرو بن العاص، وأضاف إلى مكتبته 1298 مصحفا كان بعضها مكتوب بماء الذهب، وأولى لهذا الجامع نجفة من الفضة بلغ وزنها سبعة قناطير وقيمتها مائة ألف درهم، ونظرًا لضخامتها لم تتمكن جموع الناس من إدخالها للجامع إلا بعد أن افتلقت عتبات بابه الكبير، وبنى الحاكم بأمر الله فى الجامع رواقين ومقصورة من الخشب ومحرابا منقوشا وعمودين من خشب الصندل.

عمارة الجامع من الخارج

دُمر الجامع بالكامل عندما احرق الفاطميين ووزيرهم “شاور” مدينة الفسطاط خوفًا من استيلاء الصلبيين عليها وتركوا النار ترعي فيه 54 يوما، وتهدمت الفسطاط وتم تخريب مبانيها ثم تم تجديدها فى عهد صلاح الدين الأيوبي وأعاد ترميميه وتجديده السلطانان المملوكان الظاهر بيبرس البندقداري والمنصور قلاوون الذي مازالت الشبابيك التي ركبها على شرفاته موجودة حتى الآن بواجهته الغربية وكذلك المحراب الجصي الخارجي في هذه الواجهة والذي يحتوى على شريط من الكتابة بخط الثلث وزخارف نباتية.

أما عن أخر الإصلاحات بالجامع كانت من نصيب الأمير مراد بك أخر الحكام المماليك واتفق عليه أموالا باهظة فأقام أركانه وشيد ببنائه ونصب أعمدته وبنى به منازتين وجدد سقفه بخشب السرور وبيض جدرانه وفرشه بالحصر الفيومي، وسجل إصلاحاته فى  أشعار مازالت محفورة بجدران الجامع.

حين قدوم الحملة الفرنسية مصر جري على الجامع ما جري على غيره من الهدم والتخريب ونهبت أخشابة ونقاشته، فقال المؤرخ على مبارك “أشوه مما كان أيام حريق الفسطاط وانهار سقفه وصدعت جدرانه، وظل يعانى من الإهمال فترة طويلة حتى أعيد بناؤه منذ سنوات قليلة ضمن مشروع معماري كبير عرف بمشروع مجمع الأديان”.

رواق الصلاة الخاص بالسيدات بجامع عمرو بن العاص

مكانة الجامع

كان الجامع مقرًا لحلقات الدرس لنشر الإسلام كأول مسجد بني فى القاهرة، ولم يكن مسجد فقط بل كان محكمة لحل جميع المشاكل بين القبائل، كما كان يضم بيت مال المسلمين، والذي يصرف منه على أيتام الدولة.

أما حاليًا في المسجد صحن أوسط مكشوف سماوي أكبرها وأعظمها رواق القبلة، يضم 3 محاريب هو محراب رئيسي ومحرببين جانبين كأشكال تذكارية، لأن كل خليفة ممن حكموا مصر ودشنوا توسعات يطلق على اسمهم محرب معين ومن ضمنهم مراد باك، والمسجد يحتوي على دكة المبلغ من أكبر دكك المساجد.

حكام وجوامع

سلسلة “حكام وجوامع” كانت ضمن الخطط الرمضانية التى قدمها قسم ثقافة وتراث بموقع “ولاد البلد” بالتعاون مع محمد خليل، مدير إدارة الوعي الأثري، بهدف التعريف بمظاهر احتفال الحكام المسلمين بقدوم الشهر الكريم، وشملت 4 موضوعات رئيسية جاءت من أحد 4 وأهم جوامع القاهرة التاريخية والتي كانت تقام فيهم صلاة الجمعة بشهر رمضان وهما بالترتيب: الجامع الأزهر الشريف والحاكم بأمر الله وجامع أحمد بن طولون، ختامًا بجامع عمرو بن العاص.

شملت السلسلة تصوير فوتوغرافي وفيديو وسرد كتابي عن تاريخ الجوامع وعمارتهم وأسلوب الإنشاء، وأيضًا ومظاهر احتفال الحكام.

اقرأ أيضا

الوسوم