حكام وجوامع| الحاكم بأمر الله.. قبلة الحكام الثانية في شهر رمضان المبارك

حكام وجوامع| الحاكم بأمر الله.. قبلة الحكام الثانية في شهر رمضان المبارك باب مسجد الحاكم بأمر الله تصوير: أميرة محمد

تصوير: أميرة محمد

مع أذان ظهر الجمعة الثانية من شهر رمضان، يجتمع حكام وكبار القادة بالدولة الفاطمية، لأداء الصلاة في هذا الجامع تحديدًا، بعد أن أتموا صلاة الجمعة الأولي بالجامع الأزهر، وذلك لاستكمال مراسم احتفال الحكام المسلمين، بقدوم الشهر المبارك، والتي نقدمها لكم خلال سلسلة “حكام و جوامع”، بالتعاون مع محمد خليل، مدير إدارة الوعي الأثري، والتي تأتي من ثاني جامع بني في مدينة القاهرة بعد الجامع الأزهر، والذي كان يشهد على مراسم احتفال الحكام بقدوم شهر رمضان، من خلال الصلاة في 4 جوامع كان أولهم الجامع الأزهر والثاني جامع الحاكم بأمر الله.

في نهاية شارع المعز وبالقرب من باب الفتوح، تأخذك الأسوار المرتفعة والممتدة طويلًا، وكأن هناك دولة أخرى وراءها تقوم بحمايتها، لتجد الباب الخشبي ذات سلالم مدرجة، في منتصفها، لتعبر الأسوار وتدخل قلب المدينة المحصنة، والتي هي ليست بذلك، بل تجد نفسك في رحاب جامع الحاكم بأمر الله، ثاني مساجد القاهرة اتساعًا بعد جامع أحمد بن طولون.

أسوار جامع الحاكم بأمر الله الخارجية – تصوير: أميرة محمد

بني جامع الحاكم بأمر الله فهي عهد الدولة الفاطمية، فبسبب عدم قدرة جامع الأزهر على استيعاب الكم الهائل من المصلين إلى جانب عدم تمكنه من إقامة مراسم الخلفاء المتعلقة بصلاة الجمعة، تم التفكير في بناء هذا الجامع بأمر الخليفة العزيز بالله نزار ثاني الخلفاء الفاطميين بمصر في رمضان سنة 380هـ / 990م، هكذا يبدأ محمد خليل، حكاية جامع الحاكم بأمر الله.

ويقول خليل: جامع الحاكم بأمر الله أو جامع الأنور، بناه العزيز بالله عام 380 هـ، وأتم بناءه الحاكم بأمر الله ابن العزيز بالله، وكان الجامع خارج حدود أسوار القاهرة جوهر الصقيلي، ولكن مع توسعه الأسوار في عهد الخليفة المستنصر، أيام بدر الجمالي تم توسعة مدينة القاهرة شمالا وجنوبًا 150 متر، فأصبحت مساحة الجامع الحاكم داخل مدينة القاهرة، وهو على مساحة ضخمة إذ أنه من أكبر المساجد في مصر، وتبلغ مساحته 16 ألف و200 متر.

يَذْكُر المقريزي عن موقع هذا الجامع “أنه كان خارج باب الفتوح، وعندما قام أمير الجيوش بدر الجمالي بتوسيع القاهرة وزيادة مساحتها وجعل أبوابها كما نراها الآن صار جامع الحاكم بأمر الله داخل القاهرة”، يبلغ طوله 120,5 مترا وعرضه 113 مترا، فمساحته أقل من مساحة جامع عمرو وفي نهاية واجهته البحرية الشمالية الغربية.

للمسجد واجهة واحدة رئيسية هي الواجهة الغربية وتُشْرِف على شارع المعز لدين الله الفاطمي، ويبلغ امتدادها الإجمالي من الجنوب إلى الشمال 98.70م، ويتوسطها المدخل التذكاري البارز والذي يبرز عن الواجهة بمقدار 6.40م، ويمتد بروزه لمسافة 15.10م، ويتوسطه دخلة معقودة

هنا يوضح خليل بأن تصميم المسجد كأغلب المساجد الإسلامية التى بنيت فى هذه الفترة، إذ يضمن صحن أوسط سماوي يخيط به أربعة أروقة أكبرها وأعظمها رواق القبلة والذي بيكون فيه الصلاة الجامعة.

صحن المسجد

إيوان القبلة هو الإيوان الجنوبي الشرقي، ويتكون من خمسة أروقة وبكل رواق 17 عقدا، ويقابله الإيوان الشمالي الغربي ويتكون من رواقين وبكل رواق 17 عقدا أيضا، والإيونات الشمالي الشرقي والجنوبي الغربي ويتكون كل منهما من ثلاثة أروقة وبكل رواق عقود وكل تلك العقود محمولة على أكتاف تشبه أكتاف الجامع الطولونى، إذ توجد في الأركان الأربعة لكل كتف أعمدة مثل أعمدة الجامع الطولوني، وجميع العقود مغطاة بسقف مسطح من الخشب ويحيط بالسقف من أسفله فيما بينه وبين العقود إزار جصي من الكتابة الكوفية.

تطورات

كان الجامع من الجوامع الرئيسية إلا أنه حدث به تطورات، بدأت عند قدوم صلاح الدين الأيوبي، والذي أراد تقليص المد الشيعي الموجود حينها في الدولة الفاطمية، فأغلق الجامع الأزهر ليفتح الجامع الحاكم بأمر الله، ويجعله الرئيسي واستمر في دوره كجامع رئيسي حتى عصر الدولة الأيوبية.

تأثر الجامع بالزلزال الذي حدث سنة 702هـ (1303م)، فتهدمت كثير من العقود والأكتاف الحاملة لها وسقط السقف، كما هوت قمتا المئذنتين، وكان ذلك في عهد الخليفة المستنصر “هو الخليفة الفاطمي الثامن والإمام الثامن عشر في سلسلة أئمة الشيعة الإسماعيلية”، والذي أصبحت الدولة الفاطمية في عهده في أكثر استقرارا، واتسعت اتساعًا هائلاً، وبلغت دعوتها الشيعية أقصى مدى لها في الذيوع والانتشار، وامتلأت خزائنها بالأموال.

وكان السلطان الناصر محمد في ولايته الثانية حينها، فأمر أحد أمرائه وهو بيبرس الجاشنكير فور وقوع الزلزال بإصلاح الجامع، وإعادة بناء ما تهدم منه وتدعيم المئذنتين، فتم ذلك سنة 1303م. كما جدده السلطان حسن سنة 1359م.

مع قدوم الاحتلال الفرنسي بدأ الجامع يعاني من إهمال شديد من الفرنسين، حيث استخدموا أسوار الجامع كأماكن للمراقبة والمشاهد لمن يهاجم الدولة، وأيضا وضعوا المدافع على أسوار الجامع، إلى أن جاء محمد على وأسرته ليعيد الاهتمام وأنشأ محرابا في رواق القبلة، ثم أقام فيه قوم من بلاد الشام وجعلوه معمل لصناعة الزجاج ونسيج الحرير، وعلى حدِّ قول علي مبارك أصبح الجامع منتهك الحرمة

في سنة 1297هـ / 1880م أى في أواخر القرن الثامن عشر حولت وزارة الأوقاف المكان إلى مخزن، ثم تحول إلى متحف إسلامي للحفاظ على التراث العربي الإسلامي من سرقات الوفود الأوربية في ذلك الوقت، وأطلق عليه اسم “دار الآثار العربية”.

تحول الجامع إلى مدرسة ابتدائية عُرِفَت بمدرسة “السلحدار الابتدائية”، ومع إقامة المدرسة أصبحت أروقة المسجد فارغة، لينتهى بها الحال إلى مخازن لتجار المنطقة المحيطة بالجامع.

أحد أروقة المسجد

في أواخر القرن الماضي وبالتحديد في عهد الرئيس الراحل “محمد أنور السادات، جاءت طائفة “البهرة” من الهند لإحياء العمارة الفاطمية في مصر، وتقدمت بطلب إلى الحكومة المصرية، لتطوير وترميم وإعادة تهيئة الجامع بجهودهم الذاتية، وذلك يرجع إلى مكانة “الحاكم بأمر الله” عندهم والتي تصل إلى درجة القداسة.

طائفة البهرة يرجع تاريخها إلى العصر الفاطمي في الأساس، والتى تعرف في “الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة” بأنهم هم إسماعيلية مستعلية، يعترفون بالإمام “المستعلي”، ومن بعده ” الآمر” ثم ابنه “الطيب” ولذا يسمون بـ “الطيبية”، وبأن طائفة البهرة توقر زعيمهم بشكل كبير ويسمونه مفضل سيف الدين.

يتسم البهرة بوحدة الزي للنساء كما أن هناك زي موحد للرجال، ويتميزون بأنهم مسالمون ولا يختلطون كثيرًا إلا مع أتباع طائفتهم، وإن كان الاختلاط لا يمكن تجنبه نظرًا لعملهم بالتجارة.

وبالفعل تم تجديد المسجد وإعادة ترميمه بالنفس التصميم الأول الذي بني عليه في عهد الدولة الفاطمية.

العمارة

المسجد باعتباره واحد من ضمن مساجد الدولة الفاطمية، فتميز بالعمارة الفاطمية التي ترتكز على الوجهة، ولا بد من تصميم المئذنتين على جانبي المدخل ذات قواعد دائرية، تنتهي بقمم هي حاليًا ليست الأصلية بل تمت تجديدها أيام الناصر محمد بن قلاوون وتم ترميم القمم وتشكلها على هيئة مبخرة.

أما عن أبواب المسجد فقد سدت جميعها كما كان، حيث يوجد بابان في الجانب الشرقي وباب في الوسط وباب ملاصق للمئذنة”وباب في منتصف الجانب الغربي وباب للخطيب بجوار المنبر، فيصير مجموع الأبواب تسعة، أما الشبابيك في هـذا الجامع فموضوعة على محور كل عقد، بخلاف شبابيك الجامع الطولونى فانها منحرفة عنه قليلا وينتج عن ذلك أنه كان يوجد في الجامع الحاكم 16 شباكا وفي كل من الحوائط الجانبية، و17 شباكا في كل من إيوان القبلة والحائط المقابل له، وقد سدت المئذنتان شباكا من كل جهة فيصبح بذلك عدد الشبابيك 16 فقط ويوجد شباكان في الحائط الخلفي لإيوان القبلة على يسار المحراب والزخرفة في هـذين الشباكين لاتشمل على زخرفة هندسية بل تتكون من زخارف نباتية متداخلة بعضها في بعض.

مئذنة الجامع

كما يتميز المسجد بالشرفات المسننة والتي لها عدة تفسيرات، فقد تدل على أن العمارة انتهت ولا يصح البناء فوقه، وهناك وتفسير أخر بأنه شكل زخرفي يزين الوجه من الخارج، وأيضا لطرد الأرواح الشريرة، وأيضًا هناك المدخل التذكاري البارز ضمن أشهر المداخل التذكارية البارزة.

الوسوم