جدل حول عملية ترميم جامع “خوند أصلباي”.. وهذه هي الحقيقة

جدل حول عملية ترميم جامع “خوند أصلباي”.. وهذه هي الحقيقة جامع خوند أصلباي "قايتباي" بعد الترميم - تصوير: منال محمود

أثار المنظر الخارجي لجامع خوند أصلباي بعد الانتهاء من عملية ترميمه جدلا واسعا بين رواد الفيسبوك، حيث تناولت العديد من الصفحات صورا للمسجد المشهور في الفيوم باسم “مسجد قايتباي”، ووصفوا عملية الترميم التي تمت لحوائط المسجد من الخارج بأنها طمست وشوهت معالم الجامع الأثرية، “باب مصر” يكشف حقيقة عملية الترميم، وهل أدت إلى طمس معالم المسجد؟

جامع خوند أصلاباى "قايتباي"
جامع خوند أصلاباي “قايتباي” – تصوير: منال محمود

جامع خوند أصلباي

أنشأت هذا المسجد خوند أصلباي زوجة السلطان قايتباي، وقت تولي ابنها الناصر محمد بن قايتباي السلطنة في ربيع الآخر سنة (905 هـ/1499م، ويقع هذا الجامع في أقصى الطرف الشمالي للقسم الغربي من مدينة الفيوم على ضفاف بحر يوسف وعلى بعد أمتار من مسجد الشيخ على الروبي.

صورة قديمة لجامع خوند أصلباي - صورة متداولة على صفحات الفيس بوك
صورة قديمة لجامع خوند أصلباي – صورة متداولة على صفحات الفيسبوك

كان الجامع قديما ينقسم إلى جزئين، يقع نصفه الشمالي الغربي على بحر يوسف فوق قنطرة بفتحتين هي قنطرة خوند أصلباي، أما النصف الآخر فقد كان يقع فوق الأرض، وفي عام 1887 م تعرض للتصدع ولحق انهيار تام للجزء المقام على القنطرة الواقعة على بحر يوسف في عام 1893م، وتم الحفاظ على الجزء المتبقي من الجامع بواسطة لجنة حفظ الآثار العربية، وأصبحت مساحة الجامع مقتصرة على الجزء المقام على الأرض وهو الموجود الآن.

وعن ما تم تداوله على صفحات التواصل الاجتماعي، يقول إبراهيم رجب، مدير الآثار الإسلامية بالفيوم، إنه لم يحدث أي تشويه للجامع والحقيقة أن الجامع استخدم في عمليات ترميمه السابقة الطوب الأحمر وليس الأحجار، لذلك لابد من تغطية الطوب بطبقة من الملاط أو “المحارة”، وتم اختيار تلك الطبقة من نفس المواد القديمة التي كانت موجودة، ومن قام بعملية الترميم جهة ليست مجهولة وليس مقاولا لأعمال “تشطيب الواجهات” كما نشرت بعض مواقع التواصل، بل جهة تملك المعرفة العلمية ولديها الخبرة في أعمال الترميم، والدليل على ما أقول أنهم تركوا مدخل الجامع دون مساس لأنه مبني من أحجار قديمة تعود إلى العصر المملوكي ولا يمكن تغطيتها.

جامع خوند أصلباي أثناء الترميم - الصورة بواسطة إلآثار الإسلامية بالفيوم
جامع خوند أصلباي أثناء الترميم – الصورة من الآثار الإسلامية بالفيوم

أعمال الترميم التي تمت بالجامع

يردف رجب، لقد شملت أعمال الترميم داخل الجامع وخارجه حيث دعم النظام الإنشائي للمسجد، فتمت أعمال لـ”حقن الأرضية، تدعيم الجدران، تدعيم الأعمدة، معالجة الهبوط”، كذلك تم تزرير الشروخ الموجودة ببعض الجدران ومفاتيح العقود، كما تم معالجة الرطوبة واستبدال الأجزاء التالفة من الأجزاء السلفية من الجدران وعزلها، كذلك تم القيام بأعمال ترميم دقيقة لجميع العناصر المعمارية بالمسجد مثل (الأعمدة، العقود، تيجان الأعمدة، القمريات، الشبابيك، الأبواب، المحراب)، ومعالجة طبقات الملاط التالفة واستكمالها، واستبدال الأحجار التالفة بالأرضية بالحجر المعصراني المناسب، إضافة إلى ترميم لتحف الجامع التي تضم (المنبر، الكرسي، نسخة المصحف).

الترميم بطرق مدروسة

من جانبه يقول الدكتور غريب سنبل، رئيس الإدارة المركزية للصيانة والترميم بوزارة الآثار والمسؤول عن ترميم جامع خوند أصلباي قبل القيام بعملية الترميم، إنه شاهدنا الكثير من الصور القديمة للمنطقة كي نتصور الشكل القديم للجامع، وتوصلنا إلى أن الجامع كانت مساحته قديما أكبر من ذلك، ولكن بعد انهيار الجزء الواقع على قنطرة الوداع بسبب فيضان حدث في عام 1887م، وبعد الفيضان تفقدت لجنة حفظ الآثار العربية وقامت ببناء الجزء المتهدم والجزء المتبقي والذي تراجع للخلف بعيدًا عن القنطرة وتم ترميمه وفق طرازه المملوكي الأصلي، وقامت بكتابة تقرير للحالة التي عليها مسجد خوند أصلباي ووصفت كافة زخارف الجامع الموجودة وصفًا دقيقًا، وكانت هذه نقطة الانطلاق الأولى التي استعنت بها وانطلقنا منها، ووجدت أن هناك أشياء موجودة وأشياء أخرى غير موجودة، وبدأت في البحث عن الأشياء الموجودة والمفقودة.

ترميم المحراب بجامع خوند أصلباي - آثار الفيوم الإسلامية
ترميم المحراب بجامع خوند أصلباي – آثار الفيوم الإسلامية

ويكمل رئيس الإدارة المركزية للصيانة والترميم، أنه تعرض الجامع للترميم في عام 2010 عن طريق إحدى شركات المقاولات وكانت هذه هي الطامة الكبرى فقد تم طمس الكثير من معالم الجامع الأثرية، حيث تم استخدام خامات في عملية الترميم لا يجب أن تستخدم، كما أن اللون الأصفر الذي استخدم في عملية الترميم وهو اللون غير اللون الأصلي للجامع، بينما استخدمنا نحن اللون الأصلي الذي ورد ذكره في تقرير لجنة حفظ الآثار المصرية، حيث قمنا بإزالة كافة الطبقات التي كانت موجودة لكشف الطبقة الأساسية ومعرفة لونها.

وتابع سنبل: من خلال عملية الترميم التي قمنا بها وجدنا عكس ما يشاع أن المسجد مبني بالأحجار وأننا قمنا بتغطيتها، وجدت أغلب حوائط المسجد مبنية من الطوب الأحمر وهناك صور تثبت ذلك لمن يشكك، وقد كانت الألوان الأساسية كما ذكرتها لجنة حفظ الآثار المصرية ألوان أكاسيد ترابية وكانت تأتي من الجبال ولا تزال موجودة إلى الآن وتباع، وليست ألوان بلاستيكية كما يدعي البعض.

حوائط مسجد خوندا أصلباي أثناء الترميم - الصورة بواسطة الآثار الإسلامية بالفيوم
حوائط مسجد خوندا أصلباي أثناء الترميم – الصورة بواسطة الآثار الإسلامية بالفيوم

ويشير “سنبل” إلى أنه هناك بعض أجزاء من الجامع تعود إلى عصر المماليك، وهو ما ذكره تقرير لجنة حفظ الآثار العربية، والذي يعد مرجعًا هامًا لكافة الباحثين وعلماء الآثار والترميم، وهذه الأجزاء عبارة عن مصطبتين على جانبي مدخل الجامع تسمى “مكسلتين”، حيث جاءت تسميتها من جلوس الشاحذين عليها وسميت نسبة لكسلهم، وقد كانتا متهدمتين وقمنا بإعادة بناء جزئي لهما من أحجار حديثة مع الإبقاء على الأحجار القديمة، بعد أن قمنا بعمل ملائمة لونية للأحجار الحديثة حيث تم تقريبها إلى لون الحجر الأثري القديم، لكن يظل هناك فرق بين الحجر القديم والحديث يمكن أن يدركه المواطن العادي، إضافة إلى باب المسجد الذي كان يحتوي على بعض قطع زخرفية من النحاس تم فقدها إبان ثورة يناير، وقمنا بعمل مسبك نحاسي وأخذنا شكل الوحدة الزخرفية وتم تقريب الألوان إلى اللون القديم، وأبقينا على لون الخشب الطبيعي للباب وقربنا لونه إلى اللون الأصلي.

ويضيف رئيس الإدارة المركزية للصيانة والترميم، أنه هناك أيضًا جزء أعلى كتلة الباب من الأحجار الملونة بزخارف مشعرة باللونين الأحمر والأصفر وهي خاصة بالعصر المملوكي وقمنا بتنظيفها ولم ندخل عليها أي تعديل أو أي لون آخر حفاظا على شكلها الأثري، ورغم أن هناك تشريعات ومواثيق دولية تحكم وتقيد أعمال الترميم حيث منع المُشرع إضافة أي لون على الآثار الفرعونية، لكنه سمح بفك تلك القيود بالنسبة للآثار الإسلامية والقبطية من حيث إضافة بعض الألوان التي كانت في الأصل بغرض إحياء اللون الأصلي.

أثناء ترميم المنبر - من الآثار الإسلامية بالفيوم
أثناء ترميم المنبر – من الآثار الإسلامية بالفيوم

كما أظهرنا ما يوجد داخل الجامع من زخارف البانوهات في الأجزاء العلوية والتي تم طمسها أثناء عملية الترميم التي تمت عام 2010، وأزلنا طبقات الدهان عن المنبر وهو الجزء الأصيل من العصر المملوكي، حيث كانت تلك الدهانات تخفي تطعيمات العاج الأصلية للمنبر، وأظهرنا تلك التطعيمات التي كانت مفقودة، كما قمنا بإزالة الجزء العلوي الذي يوجد أعلى موضع الخطيب على المنبر وأعدنا ترميمه وزخرفته من جديد، وذلك لما يمثله منبر جامع قايتباي كتحفة فنية ولكونه واحدا من المنابر الفريدة في مصر.

ونوه “سنبل” بأنه يقوم بحماية المنبر من السرقة، وأنه سيكون نموذجا ينطلق منه لباقي الجوامع الأثرية الأخرى في مختلف محافظات مصر.

ويردف: لم نعمل بشكل عشوائي على الإطلاق في أي مرحلة من مراحل عملية الترميم، ولأول مرة يحدث دمج للجهود والدمج الفني ما بين الإدارة العامة للترميم و الوحدة الإنتاجية التي تلقت دعم وزارة الأوقاف قدر بـ500 ألف جنيه بغرض عملية ترميم أرضيات المسجد وشراء أحجار لإعادة شكل المسجد الأثري.

مدخل جامع خوند أصلباي بعد الترميم - تصوير: منال محمود
مدخل جامع خوند أصلباي بعد الترميم – تصوير: منال محمود

وعما تثيره بعض المواقع من تشكيك في علمية عملية الترميم، يقول سنبل: “أقول للذين يقولون أننا شوهنا تاريخ الجامع، لقد كان يوجد داخل المسجد بئر قديم كان المصلين يأخذون منه مياه الوضوء أيام العصر المملوكي، حديثا كان هذا البئر مغطى بغطاء من الصاج، وتفرش فوقه سجاجيد الصلاة، ورفضت رفضًا باتًا أن أخفيه بل على العكس قمت بكشفه وأدخلت إنارة بداخله لكشفه وقمت بإحاطته بحرم خشبي جميل، وتم وضع غطاء من البولي كربونايت الشفاف غير قابل للكسر حتى يستطيع الجميع مشاهدته، وهو ما جعل هذا البئر من عناصر الزيارة السياحية للجامع”.

البئر الموجود بالجامع قبل الترميم - من الآثار الإسلامية بالفيوم
البئر الموجود بالجامع قبل الترميم – من الآثار الإسلامية بالفيوم

ومن خلال “باب مصر” يوجه الدكتور غريب سنبل، رئيس الإدارة المركزية للصيانة والترميم نداءا إلى القيادات التنفيذية والمعنيين في إدارة مرور الفيوم، بضرورة إزالة ما هو موجود على القنطرة الخارجية  “قنطرة خوند أصلباي الأثرية”، حيث يوجد رصيف تم طلائه باللونين الأسود والأبيض، وهو ما يشوه شكل الأحجار الأثرية التي تم بناء القنطرة بها، مشيرا إلى أن إحياء “قنطرة خوند أصلباي” سيكون مشروعه الثاني.

قنطرة خوند أصلباي - تصوير: منال محمود
قنطرة خوند أصلباي – تصوير: منال محمود

في سياق متصل يرى الدكتور وليد عبدالسميع، مدرس مساعد بكلية الآثار جامعة الفيوم، أن الجامع استمر على هيئته التي تم بنائه بها حتى حدث فيضان أدى إلى انهيار الجزء المقام على القنطرة، وحينذاك تدخلت لجنة حفظ الآثار الإسلامية وأبقت على الجامع بهيئته التي نراه عليها الآن، والإشكالية هنا والتي نتجت عما أنجزته تلك اللجنة أنها استخدمت في البناء الطوب الأحمر ولم تستخدم الحجر كما هو موجود في مدخل الجامع، ورغم أن البعض يرى أن استخدام الطوب الأحمر من قبل اللجنة لا يعد جزءا أصيلا من المسجد وبالتالي فإن استخدام أي ألوان للملاط عليه جائز، لكن بالرغم من هذه الإشكالية وهذا التبرير يجب التعامل مع ما قامت به هذه اللجنة على أنه أثر على اعتبار مرور أكثر من مائة عام على بنائه.

ويتابع عبدالسميع: لكن المدهش أن عملية الترميم الأخيرة أنه استخدم فيها لونًا لطلاء الحوائط الخارجية للجامع يختلف اختلاف كبيرًا عما هو معروف عن لون كل آثار العصر المملوكي وهو ما آثار موجة الانتقاد التي تعرضت لها عملية الترميم.

شكوى نقابة المهندسين بالفيوم
شكوى نقابة المهندسين بالفيوم – من النقابة

طلب من النقابة الفرعية للمهندسين بالفيوم

خاطب المهندس هشام والي، رئيس النقابة الفرعية للمهندسين بالفيوم وعضو مجلس النواب، الدكتور خالد العناني وزير الآثار، بأن النقابة سترسل لجنة فنية من النقابة ومتخصصين من كلية الآثار وكلية الهندسة يتم ترشيحهم من قبل جهاتهم الرسمية للقيام بالمتابعة الفنية لما تم تنفيذه من أعمال الترميمات الأثرية التي تمت على جامع قايتباي الأثري، وإعداد تقرير بذلك لعرضه على وزير الآثار فيما بعد لاتخاذ اللازم في ضوء ملاحظات اللجنة.

اقرأ أيضا

 

الوسوم