ولاد البلد

ثورة على الجو المسموم: دموع «وصيفة القصر» في سيارة هيكل

ثورة على الجو المسموم: دموع «وصيفة القصر» في سيارة هيكل محمد حسنين هيكل

بعد ثورة يوليو مباشرة كتب محمد حسنين هيكل، رئيس تحرير آخر ساعة، مقالا بعنوان «اسكتوا ودعوا غيركم يتكلم» في 30 يوليو 1952. وكان هذا هو أول ما كتب هيكل بعد الثورة وجّه هيكل في مقاله خطابا شديد اللهجة لرجال الأحزاب في العهد الملكي قائلا: ماذا فعلتم لتوقفوا الملك السابق عند حده؟، من منكم شد قامته مرة أمامه وقال له: لا… ولم يمر مقال هيكل مرور الكرام، وفي العدد التالي من آخر ساعة الصادر يوم 6 أغسطس 1952، كتب إبراهيم الدسوقي أباظة يرد على هيكل بمقال بعنوان «اللهم لا شماتة… ولكن» يذكّر في مقاله هيكل ببعض المواقف التي اتخذها رجال الأحزاب لوقف جموح الملك عند حده، وفي نفس صفحة المقال كتب هيكل ردا عليه بعنوان مازلت عند رأيي يبدأ المقال قائلا: من سوء حظي إني مازلت عند رأيي. يؤكد هيكل على أنه لا يزال عند رأيه في أن الأحزاب لم تفعل ما ينبغي فعله تجاه فساد الملك.. كل ذلك ولم يكن قد مضى على قيام الثورة أكثر من أسبوعين وحدث وقتها شيئا غريبا وهو أنه من ضمن برقيات التهنئة التي كانت تنهال على مجلس قيادة الثورة كانت برقية من ناهد رشاد وصيفة القصر الملكي، وتساءل الناس كيف حدث هذا الانقلاب السريع لناهد رشاد، التي كانت جزءا لا يتجزأ من العهد البائد وهنا وضع هيكل تفسيرا لذلك في نفس العدد الصادر يوم 6 أغسطس 1952 بمقال بعنوان «وصيفة القصر التي كانت مصممة على أن تهجر القصر».. حديث لم يكن للنشر.

هيكل والثورة 

قبل الثورة بشهر كانت هناك سهرة هادئة محدودة في المعادي إحتفاء بوفد السيد عبدالرحمن المهدي. وكانت السهرة تضم ستة أشخاص فقط، صاحب البيت والسيدة قرينته والسيد عبدالله الفاضل المهدي رئيس وفد المهدي، والسيد محمد صالح الشنقيطي، رئيس الجمعية التشريعية، والسيدة ناهد رشاد، وأخيرا محمد حسنين هيكل رئيس تحرير آخر ساعة، وكان حديث السهرة بالطبع هو التطورات السياسية الأخيرة، ومضت السهرة إلى قرب منتصف الليل، ثم آن لها أن تنتهي وركب السيد عبدالله الفاضل والسيد صالح الشنقيطي سيارتهما وانصرفا وركبت ناهد رشاد مع هيكل سيارته ليوصلها إلى بيتها في الجيزة، يقول هيكل: كان الطريق بين المعادي والقاهرة هادئا جميلا تلفه غلالة من ظلام الليل، غلالة رقيقة شفافة لا تطفئ معالم الطريق وإنما تضفي عليه جوا ساكنا مريحا، ومرت فترة صمت وكنت أعلم أنها تجتاز أزمة نفسية عنيفة، وسألتها فجأة:

– هل قبلت استقالتك؟

وبدا السؤال مفاجئا لها فالتفتت كالمذعورة تقول؟

– كيف عرفت أني استقلت؟

قلت لها:

كثيرون يعرفون وليس المهم هذا، وإنما أنا سألت هل قبلت استقالتك؟

وبدا عليها هدوء من نوع عجيب وتنهدت وهى تدير بصرها من نافذة السيارة وجبال المقطم تبدو من بعيد على يمين الطريق كأنها كتل من ظلمات الليل.

وقالت بعد صمت قصير:

– لا لم يقبلها بعد.

واستطردت الحديث:

– لقد حاول كثيرون أن يقنعوني بسحب استقالتي، ولكني مصممة عليها مهما كانت الظروف سواء غضب أو رضى… إني لا أستطيع أن أواصل هذه الحياة. وسكتت… وأحسست أن عاصفة تتجمع فوق سكوتها وكدت أسمع هدير رعود تدوي فوق رأسها، ثم انفجرت عيونها بالدموع فجأة ومضت تقول:

– لقد كنا أسرة سعيدة قبل أن نلتحق بخدمته.

كنت زوجة سعيدة وكان زوجي سعيدا وكان لنا بيت وكنا نعيش مع ابنائنا في هدوء ملئ بالحنان والعاطفة/ وإلتحقنا بخدمته… ثم بدأ يدخل بيتنا.

وأحسست أن دوامة تجرفنا وقاومت الدوامة ولكن الدوامة كلفتني الكثير، لم أعد أجد زوجي ولم أعد أجد نفسي ولم أعد أجد بيتي ولم أعد أرى أولادي، وجدت نفسي منساقة إلى حياة لم يكن لي بها عهد. سهر حتى الصباح ووجوه وأشكال غريبة وجو خانق ودسائس ومناورات وأكاذيب ونفاق، ولم تستطع أعصابي أن تتحمل.

ونظرت إليّ فجأة وقالت هل تظن أن الأمور يمكن أن تسير بهذا الشكل طويلا؟

وقلت أنا: مستحيل

ومضت تقول… هذا ما قلته له وأنا سعيدة أنني قلت له وجهه.

لقد كان آخر مرة رأيته يوم شم النسيم. وكنا نحتفل به على ظهر المحروسة وكان هناك عدد من المدعوين من أصدقائه وبدأ يتصرف ويتكلم على طريقته أنه يريد إذلال جميع الناس وتحطيم كل المعاني ووجدت صبري ينفذ وقلت له:

سوف أخرج من هنا، ولن أضع قدمي بعد ذلك في مكان أنت فيه.

وبعثت استقالتي من القصر.

وها أنا اليوم أترك الخدمة وعليّ ديون لا أعرف كيف أسددها.

ولو أني أردت استغلال مكاني لكنت اليوم صاحبة ملايين، ولكني قضيت الوقت أتفلسف واحتقر كل الذين يطلبون مني خدمات استغل فيها مكاني.

وأنا واثقة من أن كل الذين يسبحون بحمدي ويعتبروني قطعة من النبوغ والعبقرية سينسون هذا كله عندما أخرج من القصر وربما سينسون أن يلقوا إليّ بالتحية إذا إلتقوا بي في الطريق.

ويختتم هيكل هذا الحوار الذي لم يكن معدا للنشر، بأن ناهد رشاد قالت له: أنها واثقة أنه سيحاول إيذائي ولست أدري مدى الخطر الذي يعود علي من الوقوف أمامه والتصميم على مغادرة الخدمة في القصر ومع ذلك فأنا سعيدة.

وتنهدت من أعماقها وهى تمسح دموعها:

– أنا سعيدة جدا.. فإني أخيرا ابتعد عن هذا الجو المسموم وأحاول أن أعثر على روحي وعلى حياتي.

اقرأ أيضا

هكذا كان العالم.. عندما بدأ هيكل الكتابة!

برنامج كشكش بيه: عندما قابل هيكل نجيب الريحاني

الوسوم