ولاد البلد

«تراث مينا البصل»..سياحة مع وقف التنفيذ

«تراث مينا البصل»..سياحة مع وقف التنفيذ بورصة قطن مينا البصل في سوق الجمعة.. تصوير: نيفين سراج

“مينا البصل” إحدى المناطق الهامة التي تقع بحي غرب مدينة الإسكندرية، وبها الورديان، القباري، المفروزة وكفر عشري، وجميع هذه المناطق تحوي آثار وتراث هام  يسجل في سطور تاريخ هذه المدينة العريقة.

أصل التسمية

تقول الدكتورة نهى إبراهيم، رئيس قسم الدراسات السياحية بالمعهد العالي للسياحة والفنادق وترميم الآثار بأبي قير: أنها استخدمت مصطلح “التراث الصناعي” للإشاره للتراث الذي تزخر به هذه المنطقة بالإسكندرية..وتابعت: أصل تسمية هذا الحي بـ”مينا البصل” يرجع إلى أن هذه المنطقة كانت تطل على ميناء الإسكندرية الغربي المسؤول عن تصدير البصل والمحاصيل الزراعية في القرن الماضي ولارتباط هذا الحي بالتصنيع والتجارة جعله غني بالأماكن الهامة.

وأضافت رئيس قسم الدراسات السياحية، مصطلح “التراث الصناعي” ليس مقصود به فقط المصانع، لكن أشكال متعددة، أي شيء يدخل فيه شغل الإنسان مثل، مساكن العمال في الإسكندرية التي تقع ما بين كفر عشري ومينا البصل. هذه المساكن تدخل ضمن “التراث الصناعي”، وكذلك السكك الحديد مثل سكك حديد القباري وسكك الحديد القديمة التي تطل على مينا البصل، والموانئ وكل ما يتعلق بها أيضا يندرج تحت نفس التصنيف.

ونوهت إبراهيم بأن منطقة مينا البصل مليئة بهذا التراث الصناعي مثل، بورصة ومكابس القطن والميناء والسكك الحديد القديمة، وهذا ما جعلني أقترح تحويل “مينا البصل” إلى متحف صناعي مفتوح أو ما يعرف بـ(Live Museum).

مكابس القطن

يحوى حي ميناء البصل العديد من المباني التراثية ذات الطراز المتميز، من بينها بورصة القطن ومكابس القطن، تقول الدكتورة نهى عن هذه المباني: من التراث الصناعي أيضا، وتم إنشاء بورصة قطن مينا البصل عام 1872 على يد المعماري الإيطالي بترو أفوسكاني، بالنسبة لمكابس القطن في الحي جميعها تابعة للشركة المصرية لكبس القطن، وهي مكبس النيل شارع الكوبري القديم، وتم بدأ العمل به عام 1935، ومكبس مصر أيضا يقع في شارع الكوبري القديم وبدأ العمل به 1936، ومكبس التاريخ يقع في شارع الهويس وبدأ العمل به عام 1954.

وأضافت أن وزير قطاع الأعمال زار مكابس القطن وقال إن هذه المباني التراثية لا تهدم، خصوصا أنها على محور المحمودية ومن بين هذه المباني “بورصة القطن”، والمدرجة في سجل التراث برقم 535، مكابس القطن التى تعد تحفة معمارية فنية.

تابعت نهى: مازالت هذه المكابس تعمل بعدد قليل من العمال بعد تدهور الصناعة وأغلب العمل في مكابس القباري، لأن تكلفة عمل هذه المكابس عالية بسبب استخدام “المازوت”، لكن المعروف أن للقطن طريقة معينة في الكبس حتى يمكن نقله وتصديره وهي التي عملت بها المكابس في الماضي حتى الآن.

الحمام المصري

يعرف الكثير من سكان المنطقة الحمام المصري، وهو مبنى أثري مسجل وكان يطلق عليه “حمام شهريار”، وهو الوحيد المتبقي والمسجل في الإسكندرية، ولأهمية هذه الحمامات التاريخية، أصدر مركز دراسات الإسكندرية وحضارة البحر المتوسط بمكتبة الإسكندرية، كتابا موثقا بعنوان “حمامات الإسكندرية في القرنين التاسع عشر والعشرين”، تضمنت تحديد مواقع الحمامات من خلال الخرائط التاريخية لمدينة الإسكندرية عام 2007، وتزامن الإصدار وقتها مع الاحتفال بمرور خمسة أعوام على افتتاح مكتبة الإسكندرية.

يقول د.أيمن جمال الجوهري، مفتش آثار بالإدارة العامة للتوثيق الأثري بالوجه البحري، إن مدينة الإسكندرية شملت في عصورها المختلفة العديد من الحمامات حفظت المصادر التاريخية والوثائق أسماء بعضها، كما حفظت لنا الوثائق العديد من أسماء الحمامات بعضها يرجع إلى العصر العثماني وبعضها يرجع إلى القرن الـ19 والنصف الأول من القرن العشرين.

وتابع: جدير بالملاحظة أن حمامات الإسكندرية انعكست عليها طبيعة الإسكندرية الكوزمبلتان أو التعدد الثقافي والعرقي بالمدينة. وقد اندثرت هذه الحمامات ولم يتبق منها سوى بضعة حمامات، من هذه الحمامات حمام “علي المصري” بمنطقة مينا البصل.

وذكر الجوهري، كان مشروع الحمام من المشروعات الاستثمارية الواعدة،  وقد ارتبطت بالحمام بعض العادات الاجتماعية والاحتفالات منها، احتفالات الزواج، ومنذ سنوات حكى لي أحد المسنين من سكان حي مينا البصل عما كان يعرف بـ”زفة الحمام”، حيث يخرج العروسين من الحمام تصاحبهما إحدى الفرق الموسيقية الشعبية التي كانت مشهورة في مدينة الإسكندرية آنذاك، وينطلق الموكب ويسير في شوارع الإسكندرية متجها نحو مسجد أبوالعباس بمنطقة بحري.

نشأة الحمام

يوضح مفتش الآثار، أنه يعود تاريخ منطقة الحمام المصري، إلى عصر محمد علي، وتحديدا في عهد عباس الأول الذي سمح ببيع الأراضي في هذه المنطقة، فأنشأت فيها الشون والمخازن الضخمة نظرا لقرب المنطقة من ميناء الإسكندرية حيث تتوقف السفن في ترعة المحمودية لإفراغ حمولتها من السلع المختلفة تمهيدا لتصديرها إلى خارج البلاد.

وتابع: استقر في المنطقة الحمالين والعتالين من الطبقات الفقيرة التي تقتات من مهنة شحن وتفريغ المراكب، ويبدو أن هؤلاء العمال قد شكلوا كثافة سكانية جعلت فكرة إنشاء حمام في هذه المنطقة من الفرص الاستثمارية الواعدة، ومن جهة أخرى يأتي مشروع الحمام في إطار استكمال المرافق الخدمية في هذه المنطقة لخدمة العمال القاطنين بها، إلا أنه لم يكن الحمام الوحيد في هذه المنطقة، حيث قام أحد أعيان حي مينا البصل في أواخر القرن الـ19، بإنشاء حماما آخر لكنه أصغر من حيث المساحة من الحمام المصري.

وأنشأ “الحمام المصري” الحاج علي المصري الحطاب ابن السيد على المصري الفحام، وهو أحد تجار الأخشاب بمدينة الإسكندرية، ويرجع تاريخ الحمام إلى القرن الـ19، وحدد الدكتور محمد عبدالحفيظ تاريخ إنشائه سنة 1871، أي في أواخر عهد الخديوي إسماعيل.

الوصف المعماري

يصف “الجوهري” الطراز المعماري من الداخل والخارج للحمام قائلا: يطل على الشارع من خلال ثلاث واجهات مبنية من الحجر، يشغل الواجهة الغربية منها المطلة على شارع أساكل الغلال عدة حوانيت أو محلات، كما تشتمل على الباب المؤدي إلى قسم الرجال، أما الواجهة الثانية (الشمالية) فتطل على شارع الحسن البصري، وتشتمل على فتحات شبابيك والباب المؤدي إلى قسم النساء والباب المؤدي إلى المنشر، أما الواجهة الثالثة (القبلية) فتطل على شارع عثمان أباظة وتشتمل على عدة دكاكين أيضا.

وينقسم الحمام من الداخل إلى قسمين: أحدهما مخصص للرجال، والثاني مخصص للنساء. يشتمل قسم الرجال على البيت البارد أو المسلخ، حيث كان يتم فيه خلع الملابس وتسليمها إلى العامل المسؤول عن حفظ الأمانات، وهو عبارة عن قاعة مستطيلة الشكل محاطة بثلاث إيوانات ترتفع أرضياتهم عن مستوى أرضية الدور القاعة، كما يتوسطها فسقية مكسوة بألواح الرخام وسقفها عبارة سقف خشبي يتوسطه شخشيخة فُتح بجوانبها عدة نوافذ، كما يحيط بها من جميع الجهات ثمانية أعمدة تحمل بدورها تسعة عقود متنوعة الشكل بوقع اثنان بكل جانب باستثناء الجانب القبلي تحمل الأعمدة ثلاثة عقود، كما تشتمل القاعة على دكة المعلم، ويحيط بالدور قاعة أيضا طابق ثاني يشتمل على صندرة وحجرات يتقدمها ممر يشرف على الدور قاعة بدرابزين خشبي ويصعد إليهما بواسطة سلمين من الخشب.

ويستطرد: يلي المسلخ بيت حرارة أول (أوسط) يتم الدخول إليه من خلال فتحة باب موجود بالضلع الجنوبي للمسلخ، وهو عبارة قاعة مغطاة بقبة مفلطحة يشغلها فتحات (مضاوي) كانت مغشاة بالزجاج الملون، كما تشتمل القاعة على مرحضين يتقدمهما ممر ومقصورة صغيرة.

يلي بيت الحرارة الأول القاعة الساخنة أو بيت الحرارة ويتم الوصول إليه من خلال فتحة باب بالضلع الجنوبي من بيت الحرارة السابق، وهي عبارة عن فراغ مركزي مثمن الشكل، يشغله من ثلاث جهات ثلاث إيوانات وطرقة بالجانب الرابع منها وكان يشغل زواية الأربعة أربعة مغاطس لم يتبق منهم سوى ثلاثة مغاطس، ويغطي هذا القسم تسعة قباب حجرية يشغلها فتحات (مضاوي) كانت مغشاة بزجاج ملون.

أما القسم الخاص بالنساء، فإنه يشبه في المجمل العام القسم الخاص بالرجال باستثناء بعض التفاصيل التي ينفرد بها عن القسم الخاص بالرجال.

وفيما يتعلق بمرافق الحمام فيلاحظ أن الحمام كان مزود بمنشر ومستوقد لتسخين الماء وساقية وبئر لتزويد الحمام بالماء ورفعه إلى أعلى الحمام لتزويد الأواني المخصصة للتسخين داخل بيت القدور أعلى المستوقد. ويلاحظ أن الباب المؤدي إلى المستوقد قد تم سده.

سوق الجمعة

في العاشرة من صباح كل يوم جمعة، تجد الكثير يتوجهون إلى منطقة “سوق الجمعة” بميناء البصل، أحد أشهر وأقدم المناطق التي تحوي مركزا تجاريا شعبيا منذ أوائل القرن الماضي.

“أي حاجة بـ50 جني.. بلوفر بـ50 جني.. قرب قرب.. بـ15 جني.. يلا بـ3 جني”، هكذا يدلل الباعة على بضائعهم لاستقطاب الزبائن في السوق، افترشوا الأرض ببضائعهم المختلفة بين ملابس مستعملة وأنتيكات وعملات قديمة وأدوات سباكة وغيرها.

“أنا ببيع جزم بقالي أكتر من 25 سنة، تاريخ المكان هنا قديم خالص، سوق الجمعة دة كان شارع اللي هو بعد شارعين من هنا ده كان أول سوق الجمعة”، هكذا يقول محمود عبدالعال، بائع أحذية بالسوق حاكيا تاريخ السوق.

فيما جلس العم فتحي حسن، تاجر أقطان، أمام أحد الدكاكين المعبأة بأجولة القطن، ليتحدث عن هذه المنطقة قائلا: “أطلق عليه الجمعة لآن أغلب فرشه كان يوم الجمعة فقط، دلوقتي انتشر بقى خميس وجمعة، ماكانش السوق واسع كده كان زمان شارع واحد بس”.

وتابع:  “هنا بيتباع فيه ملابس مستعملة، ملابس جديدة، خردة، أنتيكات”.

ووصف محمد أحمد، تاجر أنتيكات، السوق، قائلا: “ده أقدم سوق عمره حوالي 300 سنة أقدم من سوق إيطاليا، ومكان البنك اللي هناك ده كان أصله محل للبصل والبطيخ والتصدير، كمان مكابس الأقطان هنا بتاعت التصدير”.

الباب الأخضر

يربط شارع الباب الأخضر بين منطقة المنشية وصولا إلى نهايته بالقرب من منطقة مينا البصل، وسبب تسميته بهذا الاسم نسبة إلى الأعمدة الخضراء الموجودة بمسجد الألف عمود والكائن بهذه المنطقة أيضا.

الدكتور إسلام عاصم، أستاذ التاريخ الحديث و المعاصر المساعد بالمعهد العالي للسياحة، مدير جمعية التراث والفنون التقليدية بالإسكندرية، كان قد صرح بأن هذه المنطقة تشتهر بالعديد من المساجد الأثرية والتراثية مثل، مسجد الشيخ إبراهيم باشا وهو أحد المساجد القديمة المعلقة، وهذا النوع من البناء كانت تشتهر به الأسواق، وكان أسفل هذا المسجد توجد محال تجارية.

كما أن طراز المنازل الموجودة بطريق “الباب الأخضر” جميعها تم بنائها على قاعدة الخشب المعلق، ومصممة على الطراز العثماني القديم، والشبابيك تم تصميمها مرتفعة طوليًا، بهدف الحفاظ على التهوية وتم بنائها قبل ظهور البناء الخرساني.

الوسوم