ستات البلد| بنت السلطان.. حكاية المؤرخة والأديبة “الأميرة قدرية”

ستات البلد| بنت السلطان.. حكاية المؤرخة والأديبة “الأميرة قدرية” الأميرة قدرية حسين وشقيقاتاها- الصفحة الرسمية لموقع الملك فاروق الأول
في إطار الشراكة مع مؤسسة المرأة والذاكرة ضمن سلسلة “ستات البلد” نسلط الضوء على نساء ملهمات في تاريخنا المصري والعربي.

بعكس الموروث الشعبي الذي يضع “بنت السلطان” في مكان عال بحسبها ونسبها وجمالها، تجسد لنا ابنة السلطان حسين كامل، الأميرة قدرية قصة مغايرة، تكسر فيها هذا الدور لتحكي عن الأميرة الأديبة المثقفة والمهتمة دوما بقضية الوطنية والمرأة.

بعد الاحتلال البريطاني لمصر بقرابة 6 سنوات، أي قبل 131 عامًا تقريبا، استقبل السلطان حسين كامل كريمته الأميرة قدرية، من زوجته الثانية ملك حسن طوران أو ملك جشم أفت، وهو اسمها بالكامل، التي تعتبر السلطانة الأولى في تاريخ مصر الحديث بعد السلطانة شجرة الدر في الدولة المملوكية، بعد تولي السلطان حسين كامل حكم مصر في ديسمبر 1914 وحتى أكتوبر 1917.

شهيرات النساء

وفي إطار اهتمام مؤسسة المرأة والذاكرة، بإبراز السيدات الرائدات في المجالات المتعددة، تأتي الأميرة قدرية حسين باعتبارها من الرائدات في الكتابة والتاريخ والأدب بعيدا عن مكانتها الاجتماعية، وذلك وفق أشهر كتاباتها شهيرات النساء في العالم الإسلامي، الذي عربه عبدالعزيز الخانجي، وأعادت المؤسسة إصداره في طبعته الثانية، عام 2004، وقدمته الدكتورة أميمة أبو بكر.

كان وعي قدرية حسين وعلمها واهتماماتها وتطلعاتها مغايرا لسائر نساء القصور الملكية المعروفة، عاكسة صورة أخرى لأميرة تهتم بالأدب والعلم والتاريخ، متبنية من بين قضاياها الاهتمام بالنساء في مجتمعها وضرورة توعيتهن، وإبراز دورهن الرئيسي الذي لا يقل عن أشقائهن من الرجال في بناء المجتمعات. ذلك بخلاف تبنيها لقضية الانتماء الوطني والديني والتضافر بين الهوية المصرية والإسلامية، متبنية أيضا مرجعية إسلامية عامة تجاه قضية عدم انصاف المرأة في الثقافة والمجتمع، وتهميشها تاريخيًا.

الأميرة ذات الجذور التركية، لم تمنعها لغتها التركية عن الكتابة التاريخية والأدبية التي راجت في ذلك الوقت بسبب السياق الثقافي والظرف التاريخي، الذي فرض إشكالية الصراع بين الانتماء الوطني والانتماء الإسلامي. ما أعطى أعمالها مكانة في الحياة الثقافية المصرية العربية، لارتباط أفكارها ودوافعها بالإنتاج النسائي الموجود على الساحة، لتصبح كتاباتها جزءًا من التاريخ الثقافي الشامل.

وقد قدمت قدرية حسين نفسها على أنها ذات انتماء مصري وطني واضح، مشاركة في الجدل الدائر حول النهضة النسائية والتحديث في مصر، غير مشيرة مطلقًا إلى هوية أو انتماء تركي، ولكن للاضطرار نجد إشارة فقط في اقتضاب شديد في مقدمة كتابها الشهير المكون من جزأين “شهيرات النساء في العالم الإسلامي” فصل عامين بين صدورهما، عندما قالت: “إلى أبناء لساني”.

خواطر الأميرة

عندما أتمت عامها الـ 31، كان قد نُشر للأميرة طبعات ثانية، بعد نفاد الطبعات الأولى، لكتابين هما “خواطر الأميرة” و”السراب”، تحديدًا في عامي 1919 و1920، وهما خواطر فلسفية ونظرات في الحياة، كتبا بأسلوب أدبي وفي صيغة أقوال مأثورة أو مقالات صغيرة؛ تم وصفها بأنها كالشعر المنثور، وكتبت الجرائد وقتها تمتدح هذه الكتب ومنها “المقتطف والسفور والوطنية والأخبار والإجيبشين جازيت والأكسبريس” وتثني على النهضة الكتابية لنساء مصر، وعلى إنجاز سيدة وطنية وخواطر عقل راجح نبيل من عقول بنات الشرق المصريات المتعلمات الشهيرات في عالم الكتابة والأدب.

وقد تخصص الكاتب والمحقق الشهير عبد العزيز أمين الخانجي في تعريب كتاباتها من اللغة التركية كما تولى الأديب والباحث المصري وجامع ومحقق التراث العربي وسكرتير أول مجلس النظار أحمد ذكي باشا، جمع كتبها وتحمس لها وشجع الخانجي على تعريب كل ما تنتجه.

كما صدرت طبعة من كتاب “شهيرات النساء” في عام 1924م إلى جانب كلمة المعرب والأميرة بخطبة أحمد ذكي، التي ألقيت في المجمع العلمي المصري مارس 1922 ونشرتها الأهرام.

ولم يحم لقب “الأميرة” الكاتبة والأديبة قدرية حسين من الانتقاد الموضوعي، إذ كانت التعليقات في الصحف تشير إلى أن كتاباتها أُخذت مأخذ الجد وأثارت الجدل، حتى أن جريدة “الأخبار” في عددها 121 الصادر 19 يونيو 1920 أفردت لكتابها “السراب” عمودًا للتحليل، حيث انتقد المقال رأيًا ورد لها في الكتاب بشأن نقدها لحكام الشرق والإسلام السالفين، لأنهم من أهل الغرام بالهدم والتدمير، وبأيديهم معاول الهدم والتخريب، واصفة ذلك بأنه عادة مذمومة ومرض مزمن، معلنة أسفها على كل فرد من المسلمين يبدو مريضا بهذا الضعف القومي، لأنه مولع بالذم وما الذم إلا ضرب من الهدم والتخريب.

لترد جريدة الأخبار بأنه

“كان على الأميرة أن تراجع رأيها في السلف، وأنها عممت فليس كل الولاة والسلاطين في الماضي مدمرين هادمين، فهناك أمثلة كثيرة في تاريخ دول الإسلام من السلف الصالحين الهداة البناة”.

كما كتبت الأميرة فى مقدمة إحدى كتاباتها عن مؤلفات عائشة التيمورية “حلية الطراز ديوان عائشة التيمورية” لطبعة لجنة نشر مؤلفات التيمورية عام 1952 -الذي تم إهداؤه في أول صفحاته إلى الأميرة – تمتدح فيها نبوغ عائشة في كتابة الشعر وتشير إلى أن الشاعرة المجيدة عائشة التيمورية كانت تأتي إلى سرايا عابدين لزيارة جدتها ثم سرايا الجيزة لزيارة والدتها السلطانة “ملك” لتقرأ لها تحفًا من الشعر من روائع ورفيع أدبها، وأهم شئ أثبتته الأميرة في تقديمها، أن عائشة تمكنت من أن تفرض نفسها على عهد صعب العيش فيه للنساء، خاصة الشاعرات والمؤلفات، لافتة إلى العيش في جو من التحفظ  والأستار ، وهي في النهاية تدرك تطور مسيرة النساء، وتظل ابنة القرن التاسع عشر فخرًا لبنات القرن العشرين، وما يلحقه من العصور.

أعمال الأميرة قدرية

من أهم أعمالها: كتاب “طيف ملكي” ترجمة الأستاذ مصطفى عبد الرازق، ومجموعة “رسائل أنقرة المقدسة”، و”ليلة بهيجة” وهي قطع أدبية تدرَّس في مدارس الترك والتركستان، وكتاب “محاسن الحياة”، ومن أنْفَسِ مؤلفاتها كتابها الذي وضعته في جزأين كبيرين عن شهيرات النساء في العالم الإسلامي”، حيث شمل هذا الكتاب السير والتراجم التي تدل على وافر علمها بتاريخ العرب وآدابهم.

ومن كلماتها في مقدمة كتابها شهيرات النساء في العالم الإسلامي:

“غربت شمس المعارف في شرقنا، وبزغت في غربهم، فأمسينا في ظلام دامس وغشيت أبصارنا عن ماضينا حتى كدنا ننسى تاريخنا المجيد فيا للأسف!”.

“تعكس مرآة ماضينا صورًا شتى لرجال التاريخ ولعظائم الأعمال عندنا، كما تشهد بذلك الآثار الباقية في أيدينا، مما هو محفوظ في مكاتب الشرق والغرب، فالأسفار مشحونة بذكر عظمائنا وحوادث أيامهم ووقائع أزمانهم، وفي نشر تلك الوقائع وعرضها على أنظار القوم عظمة بالغة وعبرة فائقة، يرينا كيف كان حالنا، وما صرنا إليه في يومنا..”.

ومن كلمات الأميرة قدرية أيضًا في آخر سطور في كتابها “أنا لا أقصد أن أكتب تاريخًا وإنما الغرض الذي أرمي إليه هو النهضة النسائية في عصرنا هذا”. تتساءل الأميرة قدرية في كل سيرة تعرضها عن ندرة التفاصيل والتأريخ لجوانب أخرى من هذه الحياة، وتعتب على المؤرخين لعدم اهتمامهم بتسجيل الكثير عن شهيرات الإسلام وبطلاته، “فحياتهن محاطة بالغموض والإبهام لأن: ” الأقدمين كانوا يعتبرون هذه من المسائل التي لا يجوز إذاعتها كما هو ظاهر من كتبهم. إننا لنعلم أسماء سيدات عديدات لهن ذكر عاطر وشهرة فائقة، فإذا حاولنا أن نحيط بأحوالهن إحاطة تامة وأن ندرك دقائق سيرهن إدراكًا كاملاً كلفنا أنفسنا ما لا نستطيع”.

كما تشير دومًا إلى غياب الاهتمام التاريخي المناسب للشخصيات والقصص، مثل قصة العباسة وجعفر البرمكي:

“هل كانت حياتهما الغريبة – تلك الحياة التي ذهبت ضحية الغرور والاستبداد موضوعًا تافهًا في آثارنا القومية؟”

كما تعلق على ضياع إنجازات النساء في التاريخ “كان لشهيرات الأمس عقلية رصينة وغاية ثابتة في الحياة ومع ذلك فقد ظلت ألوان المساعي التي بذلنها مخفية وراء ستور الإهمال”. كان للأميرة شقيقتين من والدتها السلطانة “ملك” يصغراها، هن الأميرة سميحة، والأميرة بديعة، وماتت الأخيرة في عمر أربع شهور، واشقائها وشقيقاتها من والدها وهم: الأمير كمال الدين حسين، والأمير أحمد ناظم، والأميرة كاظمة، والأميرة كاملة. تزوجت الأميرة قدرية من محمود خيري باشا، وتوفيت عام 1955.

الوسوم