ولاد البلد

المذكرات المجهولة لسمير الإسكندراني: عندما كان اسمي هورست سام

المذكرات المجهولة لسمير الإسكندراني: عندما كان اسمي هورست سام
كتب -

نشر الفنان سمير الإسكندراني مذكراته، في عام 1960 والتي روي فيها قصة خداع عملاء إسرائيل حينما زار روما في بعثة علمية ليدرس الأدب واللغة هناك “باب مصر” ينشر تفاصيل القصة وأيام الجحيم التي عاشها في روما.

التحق الإسكندراني بكلية الفنون الجميلة في عام 1955م وكان مغرمًا بفن لديكور، مما دفعه إلى البحث عن بعثة علمية إلي روما، ليكمل مسيرة دراسته العلمية وظل يبحث عن طريقه للسفر، حتى التقي أستاذا للغة الإيطالية بمصر، فتعلم على يديه اللغة وأسرارها حتى أجادها تماما، مما أهله للحصول على بعثة دراسية في العام التالي من التحاقه بالكلية تحديدًا عام 1956. سافر سمير إلى إيطاليا وارتبطت مشاعره وخياله بسحر إيطاليا ويقول في مذكراته-  التي نشرتها جريدة أخبار اليوم في الستينيات-: «أحببت كل ما هو إيطالي وبدأت أردد أغاني نابولي وفينيسيا وأصبحت أمنيتي الجديدة أن أتخصص في ديكور السينما». لم يمكث طويلا فى إيطاليا، عاد إلى القاهرة مرة أخرى لمواصله دراسته، حتى تمكن من الحصول على بعثة أخرى عام 1958، فى مدينة بيروجيا والتي تبعد عن روما 150 كيلو متر ليبدأ هناك دراسة اللغة والأدب يكتب: «كنا نسهر في نادي الجامعة وتعلمنا الرقص الأوروبي وأصبحت من الطاقة البارزين في إيطاليا”.

وكانت البداية

يحكي في مذكراته: «كانت الساعة الثامنة مساءا كنت ألعب البلياردو في النادي ولاحظت وجود شخص جديد في مجموعتنا، يراقبني في صمت، وكان يبدو عليه الميل للتعرف بي، وبمجرد أن انتهيت من اللعب قدم لي نفسه على أنه سليم، يدرس الإلكترونيات في لندن وأخبرني أنه مصري، كان شابا نحيلا عمرة 27 عاما، يبدو عليه الذكاء “.

توطدت علاقة الإسكندراني بالشاب سليم وتكررت مقابلتهما وكان كريما معه لدرجة التبذير وأخبره سمير برغبته في استكمال دراسته في الخارج وخاصة في إيطاليا، ولكن ذلك يتوقف على حالة والد الإسكندراني المادية، وأخبره سليم أنه معجب به وبذكائه وطريقته في الحياة وأخلاقه.

ليلة الشك

يشرح الإسكندراني ليلة الشك في صديقة سليم فيقول في ليلة لا أتذكرها بالضبط مر علي سليم وخرجنا معا الساعة 12 بعد منتصف الليل وتناولنا عشاءنا بمطعم صغير وشربنا النبيذ الأحمر، وحكي لي عن نفسه أنه ترك مصر منذ عام 1956م، وحصل على الجنسية الأمريكية وأنه يعمل الآن مراسلا لجريدة نيويورك تايمز الأمريكية، وعرض علي العمل في السينما الإيطالية حيث يستطيع أن يكسب حوالي 70 أو 80 ألف ليرة وهذا المبلغ يمكنه من الحياة في روما ومواصلة تعليمه. تسلل الشك إلى نفس الإسكندراني، وخاصة مع سهولة اكتشاف أكاذيب سليم الذي أخبره أنه مصري فى البداية ليكتشف أنه أمريكي الجنسية ولن يعود لمصر مرة أخرى وتساءل عن مصدر الأموال التي لديه وخشي أن يكون من اليهود الخطرين المطرودين من مصر. في ظهيرة أحد الأيام يطرق سليم منزل سمير يخبره بالسفر إلى روما ولكنه يعتذر لعدم قدرته المالية قال لي مايهمكش أنا معي وسافرنا إلى روما وكان طول الطريق يحدثني عن تفشي الفقر والمرض في مصر.

يواصل الأسكندراني الحكاية: شاهدت أعداد من الجريدة التي يعمل بها، تضم  تقاريرا عن ريف مصر، وأخبره أنه أرسل تلك المقال مقابل 700 دولار، ونظر لي وقال أنا عازوك تشتغل يا سمير، أحسست أن هناك مؤامرة ولابد أن أعمل وأحسست سليم أنني أؤيد آرائه ومبادئه، وخاصة أنني أخبرته أن جدي لوالدي يهودي جاء من المغرب وأسلم وتزوج جدتي وتزوج والدي والدتي وهي من أصل يوناني فقير وبدأ سليم يرتاح لي واعتقد أنه وجد ضالته التي يبحث عنها. طلب سليم من سمير التوجه إلى بنسيون “الفجر” والذي يقع في شارع ماجينا وأعطاه 3 ألف ليرة.. يقول:”تركني اصعد في الدور الرابع وأخبرني أنه سيتصل بي، ودخلت غرفة وأحسست بالبرد وبعدها نمت واستيقظت على وجهه امرأة عجوز، ووجهي كان شاحبا وتناولت إفطارا بسيطا وانتظرت في القاعة أقرأ الصحف حتى جاء سليم وانتقلنا بسيارة فيات ثم أخبرني أن هناك رجلا ألمانيا يريد مقابلتي، ومر أسبوع وهو لا يتكلم إلا على الهجوم على الرئيس عبد الناصر والجمهورية العربية وأنا أظهر له أنني أؤيده الرأي.

يوم 18 سبتمبر الساعة السادسة مساءً دق جرس التليفون طلب مني سليم التحرك إلى مقهى يبعد 15 دقيقة وارتديت بدلة سوداء وببيونه حمراء وقابلت سليم وقال لي إننا سنقابل الرجل الألماني ونادى ع التاكسي وأعطاه 300 ليرة ليتوجه بي إلى “ميدان أسبانيا” وطلب مني أن أدخل مقهى وألوح بأعداد من جريدة النيويورك تايمز وفجأة أحسست بيد من خلفي والتفت له وجدته عملاقا أنيقا ينادي علي هالو سمير.

يواصل الإسكندراني: قادني إلى ركن هادي وأخذ ينظر إلي وكنت أحاول أن أتظاهر بالثبات قدم لي نفسه على أنه هانز سميث سألني عن هواياتي وآمالي المستقبلية، قلت: ارغب في استكمال تعليمي بالخارج وأخذ يحدثني عن العهد الحاضر في مصر وجاوبته بما يرضيه وأخبرني أن هناك منظمة اسمها “منظمة البحر المتوسط لمحاربة الشيوعيين” هدف هذه المنظمة محاربة الشيوعيين في مصر والسودان واسترجاع أموال الأجانب الموقوفة في مصر.

مورست سام

وتعددت المقابلات بينهما، وكان الخطة تقتضي أن يحمل الإسكندراني اسما آخر هو مورست سام، فى واحدة من المقابلات طلب منه أن يملأ ورقة ليعرضها على رئيس المنظمة وطلب منه سمير العودة إلى بروجيا لاستكمال دراسته ومقابله أخيه المسافر إلى النمسا فأعطاه 20 ألف ليرة مع وعد من الإسكندراني بالعودة مرة أخرى يوم 27 و 28 سبتمبر. يكمل الإسكندراني: قبل رحيلي اصطحبني إلى إحدى مكاتب شركات الطيران بميدان أسبانيا وأطلعني على دفتر الزيارات الخاص بالفندق والشركة، وفهمني أنه على أن اكتب اسمي في الجهة اليمنى من أعلى باسم هورست سام.

يواصل: عدت إلى بروجيا وقابلتني المرأة العجوز وقلقت علي غيابي ولكني أقنعتها أنني أعمل في الديكورات في إيطاليا وتحصلت على هذا المبلغ الذي استلمته من هانز، وصل أخي من القاهرة عائدا إلى النمسا وترددت كثيرا ولكنني أخبرته بكل شيء وصرخ في وجهي ولكنني أقنعته أنني لابد أن أفضح تلك الشبكة الجاسوسية، وسافر أخي وبدأت أتعلم الجاسوسية وكتابة التقارير وبالحبر لسري والتقارير العسكرية والفنية، وتعلمت كيف أستخدم المحلول الجيري وكيف أمحو أثر الكتابة وكنت أقابل سميث من 3 إلى 4 ساعات في اليوم. وكان ذلك الندل يدربني على خيانة وطني وكنت اخشي أن يكشف أمري، وقضيت 7 أيام في جحيم ونار، وفي كل صباح اذهب متعبًا فلا يغمض لي جفن، واذهب في الصباح اليوم التالي متظاهرا بالنشاط والحيوية والسعادة حتى لا يفضح أمري.

عشاء فاخر

حان وقت حضوري إلى القاهرة وفي ليلة سفري دعاني سميث إلى عشاء فاخر وصرف في تلك الليلة مبلغا كبيرا، وأخذني إلى رئيس المنظمة ليكرمني على ما سأقدمه من خدمات المنظمة بذكائي وفطنتي، وفي ركن هادي شربنا كأسين من النبيذ ثم قال لي سميث عليك إن تثبت كفاءتك ومقدرتك وبمنتهى الاندماج في الدور ضربت بيدي على المنضدة ووقعت كأس النبيذ وقلت له إذا لم تكن تثق بي فلا تسند إلى هذا العمل. وضحك الرجل الرزين ضحكة كلها نشوة ورضي وشد على يدي بمنتهى القوة وقال آمل أن تكون خيرا أني أثق فيك وخرجنا معا ركبت غربة حنطور ظلت تدور بنا حول نافورات إيطاليا الجميلة وفي الصباح تركت روما إلى نابولي ومن هناك إلى القاهرة إلى الإسكندرية وذهبت لداري وبعد ثوان كنت أطلب المخابرات لأذيع تفاصيل مؤامرة الجواسيس على جمهوريتنا.

 

 

الوسوم