«الصبر والشجاعة والورع» في حضرة رئيسة الديوان

على أعتاب حي السيدة زينب يستقبلك مسجد السيدة زينب المخصص للصلاة، يجاوره مسجد معلق على بابه لافتة تشير إلى السيدة زينب والسيرة الذاتية لها، مع الضريح، تدخل إليه من خلال بوابة خشبية تفتح على مصراعيها.
سيدة تقرأ الفاتحة وأخرى تدعي بما في نفسها وآخر يتمنى ما في قلبه، وآخر ينشد في حب الرسول وآل البيت، فالكل هنا يتضرع ويصلي ويناجي الله، في حضرة السيدة زينب.
زيارة السيدة
“لو مصر فيها أمان دة لأن الست زينب الكبيرة ماسكة حزام الأمان”.. هكذا لخص العم فاروق، القادم من أسوان لزيارة أولياء الله الصالحين، حبه للسيدة زينب، مشيرًا إلى أنه يتخذهم قدوة في حياته، فتعلم من الست زينب القوة وسيدنا الحسين الخلق والسيدة نفسية الحكمة.
السيدة زينب صاحبة السيدة الفضلى بنت الأفاضل العظمي، بنت الأعاظم، الصالحة بنت الصالحين، النبوية الهاشمية الفاطمية العلوية الطاهرة، صاحبة الشورى، أم العزائم، رئيسة الدواوين، عقيلة بنت هاشم أخت الحسن والحسين سيدتنا زينب فاطمة سيدة نساء العالمين حفيدة خديجة الكبرى التي بلغها الله تعالى السلام بواسطة جبريل، والسيدة زينب بنت الإمام علي.
“جيت أزور الست المشيرة الحكيمة العظيمة”.. فبعد أن زارت بيت الله، قررت أن تأتي إلى زيارة الأولياء لكي تشعر باكتمال حجتها، لم توافق السيدة صاحبة الستينيات من عمرها أن تصرح لي باسمها، إلا أنها وصفت نفسها بالصابرة، لما تعرضت له من محن في الحياة من فقد أولادها الثلاث في عدة حوادث، ووفاة زوجها حسرة عليهم، أما هي فهى تتجول بين الأولياء لتحكم قلبها بالصبر مقتدية بهم وبمشوار حياتهم وسيرتهم العطرة التي تحمل الكثير من المعاني.
ولدت السيدة زينب رضي الله عنها في يوم 25 شعبان لعام 5 هجريًا بعد مولد سيدنا الحسن بعامين هجريًا.
صفاتها
يذكر الكاتب حنفي المحلاوي، في كتابه “مقابر المشاهير”، عن السيدة زينب، لم تكن هذه السيدة بعيدة عن بيت العلم والمعرفة والأخلاق إلى جانب تحليها بصفات الشجاعة والإقدام وحسن الاختيار، ذلك لأن والدها الأمام الكبير علي بن أبي طالب، المعروف بالعلم والتقوى وكذلك أخوها الأكبر الإمام الحسن والإمام الحسين، رضى الله عنهما.
من أهم صفاتها أيضًا الوفاء، إذ حفظت عهد والدتها السيدة فاطمة الزهراء ابنة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.
مما يروى في هذا السياق أن والدتها رضى الله عنها رغم صغر سن السيدة زينب إلا أنها أوصتها بأن تكون أمهما من بعدها وقامت بتنفيذ هذه الوصية خير قيام طيلة حياتها.
أما عن المواقف التي أظهرت فيها شجاعتها، فيروى في هذا السياق إنه لما استشهد أخوها الإمام الحسين على مرأى ومشهد منها لم تجزع ولم تولول كبقية النساء في مثل هذه المواقف بل تذرعت بالصبر والشجاعة والرضا بقضاء الله وقدره وقالت: “إنا لله وإن إليه راجعون، اللهم تقبل منا هذا القليل من القربان”.
يقول الجاحظ عن علمها وورعها في كتاب “البيان والتبين” إنها كانت تشبه أمها لطفًا ورقة وتشبه أباها علمًا وتقوى، فقد كان لها مجلس علم حافل تقصده جماعة من النساء اللواتي يردن التفقه في الدين، لذلك كانت بحق عقيلة بنت هاشم كما كانت تلقب.
حتى عندما اختارت مصر للإقامة بها بعد أن خيروها في منفى اختياري بدلا من المدينة، خوفا من اندلاع المزيد من الثورات ضد بنى أمية، أخذت تجمع حولها العلماء من أعلى مصر من الذين أرادوا الاستزادة من علمها حتى بات مرددين لها.
أقوال ومواقف
“يا عماد من لا عماد له، ويا ذخر من لا ذخر له، ويا سند من لا سند له، ويا حرز الضعفاء، ويا كنز الفقراء، ويا سميع الرجاء، ويا منجى الغرقى، ويا منقذ الهلكى، ويا محسن ويا مجمل يا منعم يا متفضل، أنت الذي سجد له سواد الليل وضوء النهار وشعاع الشمس وحفيف الشجر ودوي الماء، يا الله الذي لم يكن قبله قبل ولا بعده بعد ولا نهاية له ولا حد ولا كفء ولا ند، وبحرمة اسمك الذي في الآدميين معناه المرتدي بالكبرياء والنور والعظمة محقق الحقائق ومبطل الشرك والبوائق”؛ مِن أقوال السيدة زينب “عليها السلام” ليزيد عليه لعائن الله.
“فَكِدْ كَيْدَكَ وَاسْعَ سَعْيَكَ وَنَاصِبْ جُهْدَكَ، فَوَ اللَّهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا وَلَا تُمِيتُ وَحْيَنَا، وَلَا تُدْرِكُ أَمَدَنَا، وَلَا تَرْحَضُ عَنْكَ عَارَهَا، وَهَلْ رَأْيُكَ إِلَّا فَنَدٌ وَأَيَّامُكَ إِلَّا عَدَدٌ وَجَمْعُكَ إِلَّا بَدَدٌ، يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ”.
يروي عن شجاعتها وقوة نفوذها عن أهل الباطل، أنها لما وصلت هي وسيدات أهل البيت مع رأس الإمام الحسين إلى الكوفة ومثلث أمام عبيد الله ابن زياد لاحظت أنه كان ينظر إليهن نظرة التشفي والتهكم؛ فلم يسمعها إلا أن أنذرته بسوء ما سيلقاه هو ورجاله يوم القيامة جزاء خيانتهم وغدرهم بأخيها الإمام الحسين وأصحابه، كما أسمعته من العبارات الحادة والكلام الشديد ما لم يعتد أن يسمعه من أعظم الرجال شجاعة وأقواهم بأسا فخاف أن يسترسل في إساءاته وحول مجرى الحديث إلى شاب كان بجانبها وسأله: من أنت؟ فقال الشاب: أنا علي بن الحسين، فقال ابن زياد: أو لم يقتل الله علي بن الحسين؟ قال الشاب كان لي أخ أكبر مني يسمى عليا قتله الناس، فقال ابن زياد: إن الله قتله، فقال الشاب: الله يتوفى الأنفس حين موتها، فاغتاظ ابن زياد وأمر بضرب عنقه، فتقدمت إليه عمته السيدة زينب فاحتضنته، وقالت: والله لا أفارقه وإن قتلته فاقتلني، فبهت ابن زياد وعمل أن يتخلص من هذه الورطة، ثم تراجع عن تنفيذ حكمه السابق بقتل ابن الإمام الحسين.
وكان لها مواقف الشجاعة الأخرى حتى من الخليفة يزيد بن معاوية نفسه، عندما قدمت إليه في دمشق مع رأس أخيها الإمام الحسين، وأيضًا بعد عودتها إلى المدينة كان لها دورًا كبيرًا في إثارة مشاعر المسلمين ضد يزيد بن معاوية، بما كان ينذر بثورة.
الضريح
أجمعت المصادر التاريخية على أن ضريح السيدة زينب كان في بدايته زاوية صغيرة المساحة في الضاحية البحرية من مدينة الفسطاط، حيث الحدائق الغناء المطلة على الخليج المصري، وقد دفنت السيدة زينب في الدار التي أقامت فيها لمدة عام بعد قدومها إلى مصر وهي بيت الوالي الأموي مسلمة بن مخلد الأنصاري، كما أقيم الضريح حيث دفنت السيدة الطاهرة وهو ما يزال موجودا حتى الآن، وكان الوالي الأموي يقيم آنذاك في منطقة بالفسطاط تعرف “الحمراء القصوى”؛ وهي منطقة كانت غنية بالبساتين والحدائق، أما المنطقة التي يوجد بها الضريح الآن تعرف باسم قنطرة السباع نسبة إلى السباع التي كانت موجودة على القنطرة التي أقامها على الخليج الظاهر بيبرس، هذا الخليج كان يخرج منه الماء إلى فم الخليج وينتهي عند السويس.
عند بدء عملية التوسع اكتشف رجال الآثار واجهة زاوية وضريح السيدة زينب الذي كان قد أقامه من قبل الوالي العثماني علي باشا الوزير عام 1547 ميلاديًا، ثم أعاد تجديده الأمير عبدالرحمن عام 1761 م، ثم ظهرت فيه عيوب فتم هدمه وبناه عثمان بك المعروف بالطنبورجي المرادي عام 1798 م، ثم تجدد على يد السيد أحمد المحروقي، ثم شرع عباس باشا الوزير في تجديده وتوسعته، من بعدها أراد الخديوي إسماعيل إنشاء عدة شوارع يكون مركزها جامع السيدة زينب وضواحيها.
تجديدات
عن وصف الضريح تقول سعاد ماهر، في كتابها “أضرحة مصر وأولياؤها الصالحين”، إنه يتكون من 7 أروقة موازية للقبلة، يتوسطها صحن مربع مغطى بقبة، يقابل هذه القبة قبة ضريح السيدة زينب، كما يتقدم المسجد من الواجهة الشمالية رحبتان يوجد بهما مدخلان رئيسيان يفصل بينهما مستطيل تعلوه “شخشخة”، وفي الطرف الشمالي يوجد ضريح سيدي العتريس.
في عام 1969 أضافت وزارة الأوقاف مساحة ثانية مماثلة للمسجد وبنفس مساحته بحيث تفصل بين المسجد الأصلي والتوسعة الأخيرة.

 

الوسوم