السينمات في الفيوم.. أطلال وأنقاض وذكريات

السينمات في الفيوم.. أطلال وأنقاض وذكريات سينما رمسيس بميدان السواقي.. تصوير: منال محمود

من فتحة مربعة وآلة يقف خلفها عامل يديرها، دون أن يراه أحد، ويخرج الضوء محملا بالصور التي تسقط على قماشة بيضاء مربعة كبيرة على الحائط، فتظهر للجالسين على المقاعد الخشبية في صمت تام صورًا لحيوات كالتي يشاهدونها ويعيشون تفاصيلها خارج هذا المكان، طوال فترة تقترب من ساعة أو ساعتين، يخرج الحشد إلي ضوء الشارع الصاخب، لكنه ما زال مسحورًا، لم يعد عشاق ومحبي السينما في الفيوم يشعرون بهذا الإحساس لأنه ببساطة لا توجد دار سينما منذ أكثر من عقدين.

بدايات السينما

منذ بدايات تأسيس دور العرض السينمائية، حظيت الفيوم بخمسة من دور العرض السينمائي، كان ثلاثة منها في مدينة الفيوم وهي سينمات: رمسيس، والفيوم، وعبدالحميد، واثنتان إحداهما بقرية “أبوكساه” التابعة لمركز أبشواى، والثانية سينما نبيل كانت في مدينة أبشواي.

ذكريات السينمات بالفيوم

عربة حنطور عليها أفيش ضخم لأحد الأفلام التي سيتم عرضها في دور العرض، تتبع فرقة نحاسية تطوف شوارع مدينة الفيوم، وشخص يوزع إعلانات على المارة في الشوارع، هذا ما يتذكره الدكتور نبيل حنظل الخبير السياحي، ورائد الصحافة المحلية، الذي أسس والده جريدة المجتمع المحلية التى تعتبر من أولى الجرائد التي صدرت فى الفيوم، يقول حنظل: هذه كانت طريقة الإعلان عن الأفلام في الفيوم، حيث عرف أهالي الفيوم دور العرض مبكرًا، حيث جمعت مدينة الفيوم ثلاثة من دور العرض الخاصة وهي، “سينما رمسيس” التي كانت تقع بالقرب من ميدان قارون، وبمواجهتها على الجانب الآخر كانت سينما “عبدالحميد” التي كانت ضمن أول مجمع ترفيهي يتبع عائلة شهيرة بالفيوم هي عائلة “الشوشاني”، حيث كان المجمع يضم  فندقًا ومقهى فاخر وصالة سينما، والتي امتازت دون غيرها بوجود حائط خارجي مرتفع، تلصق عليه أفيشات الأفلام التي كان يتم رسمها بطريقة الكورسال.

يضيف: كانت سينما الفيوم في شارع المحمدية، التي امتازت عن باقي دور العرض الأخرى بمبناها الأنيق، الذي كان يشبه دور العرض في القاهرة والإسكندرية، حيث كانت من طابقين: الأرضي “للدرجة الثالثة”، أما الدور الثاني فكان للدرجات الأعلى وشرفات البنوار، ومع الحراك الثقافي في الستينات وإنشاء المؤسسة العامة للسينما، عرضت الأفلام في المجمعات الحكومية، والنوادي، والجامعة الشعبية بالفيوم، وعرضت الأفلام في الميادين الرئيسية بالمحافظة مثل، ميدان قارون والشيخ سالم، والحواتم، بجانب عروض النوادي الاجتماعية مثل، نادي المحافظة، كما كانت الأفلام تعقب الندوات أو المحاضرات لجذب الجمهور، كما كانت تقام ندوات نقدية بعد عرض الأفلام بحضور الجمهور وأحيانًا بحضور مخرج الفيلم  وبعض الممثلين.

ويذكر حنظل، كانت الجرائد والمجلات المحلية تعلن عن الأفلام الموجودة بدور العرض، ومن الطريف أن جريدة المجتمع عام 1949، نشرت شكوى وردت لها من بعض أبناء مدينة الفيوم يشكون من ضعف مستوى الأفلام المقدمة بسينما “الفيوم” حيث وصفوها في شكواهم بالهزلية ودون المستوى.

السينمات في القرى

يذكر حنظل، أنه في نهاية الخمسينات تعاظم شأن السينما، بالتزامن مع إنشاء الوحدات المجمعة في عام 1965، التي كانت أحد الجهود لتعظيم التنمية الريفية في عهد جمال عبدالناصر، حظيت قرية “أبوكساه” بإحدى تلك الوحدات، وكانت دار عرض سينما أبوكساه من أشهر دور العرض في الريف بالفيوم، وكان يحضر عروضها جمهور كثيف من أبناء القرية والقرى المجاورة والمركز على اختلافهم، لمشاهدة عروضها السينمائية.

وبعد أن شهدت صناعة السينما في الستينات رواجًا كبيرًا، وأصبح ينظر إليها على أنه مشروع مربح، دفع أصحاب بعض رؤوس الأموال لبناء دور عرض سينمائي، وكانت أحد هذه المشاريع بمركز أبشواى وهي سينما “نبيل”، التي جذبت العديد من الرواد وخاصة طلاب المدارس الثانوية.

أنقاض وأطلال

ينوه حنظل، بأنه لم يتبق من هذا التاريخ والذكريات سوى أنقاض، وتغيرت المعالم، فقد تم هدم سينما الفيوم، وأصبحت مساحة أرض فضاء بات جزءا منها مكبا للقمامة، وجزء من حائط ملاصق لحائط عمارة مجاورة عليه أفيش تآكل بفعل أشعة الشمس لفيلم “كلام الليل” الذي كان يعرض قرب نهاية التسعينيات ببضع سنين، أما سينما رمسيس فقد تحولت إلى جراج للسيارات، أما سينما عبدالحميد فتحولت إلى عدة محال قميئة لبيع الملابس والإكسسوارات الرديئة، وأغلقت قاعة السينما في مجمع أبوكساه، وأصبح المكان قاعة لاجتماعات الوحدة المحلية بالقرية، وهدمت سينما نبيل بمدينة أبشواى.

وظل محبو السينما بالفيوم يتشبثون بالضوء في”سينما كيلوباترا” التابعة لنادي ضباط الشرطة، وكانت المكان الوحيد لأبناء الفيوم لرؤية شاشة السينما، لكنها أغلقت بشكل نهائي منذ ثورة 25 يناير 2011.

وبذلك أغلقت كافة دور العرض السينمائي في الفيوم منذ أكثر من عشرين عامًا، تلك المحافظة التي شهدت تصوير عشرات الأفلام على أرضها، لا يوجد بها دار عرض واحدة، ولكن مؤخرا ظهر بصيص أمل سرعان ما اختفى بفعل “كورونا” وكأن الحظ العثر يلازم الفيوم، حيث تم إنشاء صالتي عرض في الحديقة الدولية بمدينة الفيوم التي تمتلكها المحافظة، لمستثمر قام بتأجيرها لكن للظروف الراهنة حالت دون استمرار عروضها إلى الآن.

اقرأ أيضا

ملف| الشاشة الساحرة غائبة فى أقاليم مصر

فيديو| سينما بوسعيد: وتحولت دور العرض إلى أبراج.. وجراجات

السينما في القصير.. قصة أول عربة متنقلة للعروض السينمائية

سينمات أسيوط.. التاريخ وحده لا يكفى

الوسوم