الدكتورة نوال المسيري.. حكاية 66 عامًا من التراث الحي

الدكتورة نوال المسيري.. حكاية 66 عامًا من التراث الحي الدكتورة نوال المسيري.. صفحة الفيسبوك

قضت نحو 66 عامًا من عمرها مع التراث على مراحل حياتية مختلفة، بدايتها منذ الصغر إلى أن أصبحت رئيسة مؤسسة نديم، وهي منظمة غير حكومية غير ربحية، تهدف إلى توثيق التراث ونشره، أطلت علينا الدكتورة نوال المسيري عبر صفحة الفيسبوك الخاصة بالمؤسسة، وتخرج بنا من العزلة المنزلية إلى الألفة التراثية، وتسرد لنا مقتطفات من مسيرتها، وذلك ضمن سلسلة “لحياتنا تراث”.

نوال المسيري

ولدت الدكتورة نوال المسيري بمدينة المحلة الكبرى عام 1936، من أسرة تعمل في الصناعة، فكان جدها لوالدها يعمل في نسيج الحرير، تحدث عنه الدكتور عبدالوهاب المسيري والمهتم بتأصيل العائلات بأنه كان هو أول شخص وصل المحلة حين ذكر أن هناك 4 أشخاص أتوا من تونس إلى مصر أحدهم ذهب إلى المحلة.

وكانت عائلة والدتها كانت من أصل تركي، تعمل في المقاولات المعمارية فتذكر بعض الذكريات عنها والتي تضفرها بالتراث، فتقول: كان هناك استراحة خارج المدينة أمام البحر الذي كان عبارة عن مجرى مائي كبير تمر من خلاله مراكب تحمل الأدوات والخامات للمقاولين مثل الرمل والزلط والأسمنت، وكلمة البحر هنا تعتبر اسم تراثي لدى جميع أهل القرى التي يمر بها المجرى المائي، فيصبح بالنسبة لهم بحر.

كان لوالدتها تأثيرا كبيرا وغير مباشر على استقلالها، فهي صاحبة شخصية قوية ومسيطرة على عائلتها، خاصة وأنها تزوجت من والدها في سن الـ23 وبالتالي أخذت فرصتها في التعليم، ومنحها صفة المؤثرة في حياة أفراد العائلة، بالإضافة إلى شخصيتها القوية والحازمة.

تعليمها

تربت الدكتورة نوال هي وأخواتها الـ6 في بيئة تعليمية وحضارية، فكان في ذلك الوقت من سمات الطبقات الراقية دخول أولادهم مدارس أجنبية وكأنها “الموضة”، فالتحقت هي وأخواتها البنتين الأكبر منها في العمر بمدارس الأمريكيين بطنطا وهي مدارس أجنبية داخلية، فقضت مراحل الطفولة والتعليم الأساسي بها.

تحفظ الدكتورة نوال تفاصيل هذه المدارس عن ظهر قلب، خاصة وأنها تعلمت جزءا كبيرا من التراث بها فتذكر عنها: “كانت عبارة عن 3 عنابر كل عنبر يضم 15 بنتا، والتعليم الداخلي كان مميز جدًا خاصة بالنسبة للمعلمات، فيكون للبنات الداخلية مكانة خاصة لديهم، نظرًا لتواجدهم بشكل دائم معهم وبالتالي هناك مساحة من التقرب والتعلم والاستفادة الأكبر، فضلًا عن تعلم الالتزام بالوقت والدراسة وتكوين العلاقات مع الآخرين واحترامها”.

تتابع المسيري حديثها: “المدرسة ليست فقط بداية معرفتي بالقراءة والكتابة، بل هنا بدأت أتطرق لماهية التراث من خلال الروايات التي أسمعها وقت النوم والأساطير التي تسردها المعلمات علينا ضمن مناهج التعلم، لتبدأ علاقة الدكتورة نوال مع التراث في سن الـ5 أعوام”.

مرحلة الطفولة كانت مرحلة فارقة في حياة الدكتورة نوال وأساس مخزونها التراثي، فتكمل حديثها: “الإجازة كنت أقضيها عند عمتي بطنطا، التي يعمل زوجها في حلاوة المولد، وهنا تعرفت على الأكل التراثي الخاص بالمولد وكانت تجلبه الشغالة، بالإضافة إلى مشاهد المولد التي لمست قلبي وأحببتها كثيرًا”..

بيت الأمة

من المحلة المدينة التجارية تنتقل الطالبة نوال المسيري إلى القاهرة بناءً على قرار والدها بضرورة العيش هناك، حيث الجامعات التي كانت المرحلة التالية لأخواتها الأولاد الأكبر سنا، بالإضافة إلى بعض الأعمال والشركات لديه، لتعيش بشقة مؤقتة في شارع نوال بالدقي، وتلتحق بالمدرسة الأمريكية، ومنها إلى الجامعة الأمريكية.

انتقل والد نوال بهم من الدقي إلى فيلا بسليمان جوهر خاصة بهم، التي سميت بعد ذلك ببيت الأمة، فتقول عنها: “كل من يأتي من المحلة ينزل على بيت سليمان جوهر، وبرغم أن مساحته متوسطة إلى أنه يحمل داخله تراث عظيم يكمن في تفاصيل المعيشة ونظام المنزل وشكل الأثاث والديكور، كما أن الشارع فيه كان مشابها للمعز، فالنصف الشمالي للعائلات والفيلات، والنصف الآخر سوق المنطقة يعج بالدكاكين والبائعة، وهو ما أخذناه من التراث بعد ذلك وتقسيم المنطقة إلى جزأين  أحدهم للعائلات والآخر لعامة الشعب”.

شهد المنزل – بيت الأمة- زواج أخواتها الأصغر منها، أحدهن تزوجت من أحد الضباط الأحرار في ذلك الوقت، فحضر زفافها الرئيس الراحل أنوار السادات، لتقابل بذلك الرئيس وهي في سن صغيرة، ولكن بناءً على رحيل أخواتها من المنزل طلب منها والدها عدم إتمام تعليمها لتجالس والدتها.

تقول المسيري: “ظللت سنة بالكامل في المنزل ولم أسعد بذلك خاصة وأنني قضيت عامين من سنوات الجامعة وارتبطت بالدراسة جدًا، فطلبت من أخي الأكبر الحديث مع والدي الذي وافق وعدت إلى الجامعة الأمريكية مرة أخرى، التي كانت تتميز بقبول كل من يتقدم لها حتى وإن هناك فاصلا بين سنوات ثانوي والسنة التي يتقدم فيها.

العمل والدراسة

في الجامعة قررت نوال الاعتماد على الذات والعمل مع الدراسة، لتحكي عن أول عمل لها وهي في سن العشرين تقريبًا: “كنت عاوزة اعتمد على نفسي فكنت أعمل بمكتبة الجامعة بالتوازي مع الدراسة بالجامعة، وعاصرت فيها 3 معلمين كانوا من الشخصيات المؤثرة في حياتي، التقيت بثلاثة أساتذة أحدهم معلم تاريخ الشرق الأوسط، والثانية ليلي شكري بمركز بحوث الجامعة الأمريكية، وعالمة الاجتماع جانيت أبو لغد، غيروا مجرى حياتي بشكل كامل”.

تذكر نوال: “جاء أول تغير واتجاه فعلي للتراث على يد الدكتورة جانيت أبو لغد، حينما جاء إليها أحد الأجانب وكان يعمل على دراسة رحلة من الريف إلى المدينة وكتبت بالصدفة ورقة بحثية عن هجرة أسرتي من المحلة إلى القاهرة، وهنا رشحتني للعمل معهم وكانوا يتعاملون مع مركز البحوث، فكونت علاقة معهم، وبدأت عمل مقابلات مع المهاجرين من البلاد المختلفة واستقروا في القاهرة، لتكون لدي الخبرة الأولى للخروج إلى الشارع والالتقاء بالناس والحديث معهم والتعايش مع ذكريات وحكايات من التراث”.

ليلي الحوامصي

“تاريخ النوبة قبل التهجير”، كانت التجربة التراثية الثانية التي مرت بها الدكتورة نوال، التي رشحتها لها الدكتورة ليلي الحوامصي بالجامعة الأمريكية، فتقول: “رشحتني للعمل مع الخطة دراسة النوبيين بالقاهرة والإسكندرية وكان مشروع كبير، والعقبة موافقة الأهل على السفر إلى النوبة، ولكن انتهت الأول من القاهرة والإسكندرية ثم اتجهت بعد ذلك لأخي الأكبر لإقناع والدي الذي اقترح عليه السفر معي لضمان سلامتي والتعرف على المشروع”.

على جانب آخر كانت هناك حدوتة أخرى تجري بمعهد الدراسات الإفريقية، عندما جاء أسعد نديم وطلب عمل الماجستير الذي يتطلب السفر إلى منطقة إفريقية ففكر في دراسة النوبة ووافق المعهد أن يسافر مع الجامعة الأمريكية وفي نفس الوقت يدرس للتعرف عليه في المشروع، كان فيه بمثابة مشرف على المسيري حينها.

مركب البوستة

من أسوان إلى النوبة مركب كبيرة تحمل الحيوانات التي تصدر من وإلى السودان، قف أمام كل نجع لإيصال الجوابات لأهالي النجوع، وكانت هي وسيلة النقل الوحيدة التي اضطرت نوال أن تأخذها لتصل إلى النوبة، تقول: “كانت الرحلة شاقة انبهرت بالمنظر هناك النيل كبير جدا والطبيعة ناحية جبالية وأخرى رملية أول رحلة ليا للنوبة،  بعد العودة قررت عمل ماجستير عن موضوع “النوبة بمنطقة دهميت”، وأسعد كان بمنطقة العرب بينا وبين بعض 150 كيلو”.

تتابع: “العلاقة توطدت مع أسعد، الذي كان ذي ميول سياسية في ذلك الوقت وطلب الزواج منى ورغم ظروفه حينها كان خارج من السجن ومش معاه ولا مليم، ولكن كانت دماغه لطيفة، تزوجنا وأنا في سن الـ27”.

الصديق والزوج

عملت نوال مع زوجها أسعد نديم في دراسة مركز البحوث الاجتماعية التابع للجامعة الأمريكية، وقاما بعمل دراسات بحثية عن المجتمع النوبي قبل إعادة التوطين، وقضوا عدة سنوات في النوبة قبل أن يسافروا إلى الولايات المتحدة، لتحصل هناك على درجة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الثقافية من جامعة إنديانا.

بعد عودتهما من الولايات المتحدة، رفضا العمل الأكاديمي أو العمل مع منظمة اليونيسيف، وبدأوا مشروعهم في عام 1978 في تصنيع الكراسي والموائد المشربية في الطابق السفلي من منزلهم بالدقي، وتطور المشروع وأخذوا في تصنيع السفن السياحية والمنازل والفنادق والمكاتب، وتطور المشروع، وانتقلوا من ورشة الدقي إلى مجمع ضخم في نهاية شارع التحرير.

 

الوسوم