الإسكندرية.. حلم «الإسكندر» الذي خلد اسمه

الإسكندرية.. حلم «الإسكندر» الذي خلد اسمه لوحة موزايك للإسكندر الأكبر
كتب -

الصورة المرفقة بالمقالة تحمل رخصة المشاع الإبداعي

في مثل هذا اليوم من عام 332 ق.م بدأ الإسكندر الأكبر في تخطيط مدينة الإسكندرية، لتكون عاصمة ملكه ومركزا ثقافيا لالتقاء حضارتي الشرق والغرب، رحل الإسكندر وقد خلد اسمه عبر العصور بالمدينة التي حملت اسمه.
الحلم
يورد مانفريد كلاوس في كتابه “الإسكندرية أعظم عواصم العالم”، أن الإسكندر الأكبر حين اتجه ناحية الفرع الكانوبي للنيل “رشيد”، وهو طريقه إلى الواحات، استوقفته تلك الصخرة المحاذية لبحيرة مريوط،   فأشار إلى قواده ومعاونيه إلى رغبته في إقامة مدينة فوق تلك الصخرة تكون عاصمة لإمبراطوريته المترامية الأطراف، وحين شرع المهندسون والعمال في تخطيط المدينة، حكي الإسكندر عن ذلك الحلم الذي رآه؛ حين حدثه رجل عجوز ذو لحية بيضاء مهيب الطلعة، وقال له: “ها هنا جزيرة بين أمواج البحر اسمها “فاروس”، تقع أمام سواحل مصر، بها ميناء يصلح مرسى للسفن”، ويلمح كلاوس إلى أن عين الإسكندر الثاقبة اكتشفت خصوصية المكان ومميزاته المتعددة، كثغر وحصن وعاصمة للدولة.
راكوتيس
ويشير فورستر في كتابه “الإسكندرية.. تاريخ ودليل”، إلى أن هيومرس ألمح في الجزء الرابع من الاوديسا إلى وجود جزيرة على سواحل المتوسط بالقرب من مصر تدعى فاروس، ملمحا إلى أن هذا الجزء من الاسطورة هو الجزء الذي ربط بين ميناء الإسكندرية القديم وأحداث حرب طروادة.
وبحسب فورستر فان الجزيرة المشار إليها ما هي إلا نتوء رأس التين والمجرى المائي، الذي كان يفصل بينها وبين الأرض وقد امتلأ بالطمي، ملمحا إلى أنه لم يعثر على دلائل لعمليات استيطان بتلك الجزيرة، بالرغم من أن الجزء الشمالي الغربي منها اكتشف فيه آثار لميناء بحري يعود لعصور ما قبل التاريخ.
ويؤكد فورستر أن أولى عمليات الاستيطان سجلت بمنطقة “راكوتيس”، راقودة حاليا، وبحسب فورستر فأنها مدينة مصرية  قديمة بنيت على المرتفع الذي يقع عليه عمود بومباي عام 1300 ق.م، وعثر بها على تماثيل تعود لتلك الحقبة، وكان سكانها حراسا للساحل أو يعملون في رعي الأغنام، وكان أوزوريس إلها لهم.
عبقرية
بحسب وصف الدكتور سليم حسن، في كتابه “موسوعة مصر القديمة – الجزء الثالث عشر”، فأنه يعتبر الإسكندر من أعظم عبقريات التاريخ، مشيرا إلى أن الفضل الأول في إقامة وتخطيط مدينة الإسكندرية يرجع له وحده، موضحا أن الإسكندر كان يطمح في نشر الثقافة اليونانية من خلال مدينة عالمية، معتقدا أنه نجح في ذلك لتصبح الإسكندرية أعظم مدن العالم القديم على الإطلاق.

ويوضح حسن أن عبقرية الإسكندر تمخضت عن اختيار موقع عبقري لمدينته، مشيرا إلى أنه وقع اختياره على جزيرة فاروس ثم ما لبث أن غير رأيه بسبب صغر مساحتها وقرر إضافة مساحة  أخرى من اليابسة المجاورة لها، وبذلك أصبحت المدينة متصلة باليابسة وموارد المياه العذبة المتمثلة في الفرع الكانوبي “رشيد”، كما أنها أصبحت ميناء بحريا متصلا بالبحر المتوسط، ويلمح حسن إلى أن الإسكندر ربما كان يحاول أن ينشأ ميناء مماثلا لميناء صور المندثر.
شطرنج
ويوضح الدكتور عزت قادوس، في كتابه “آثار الإسكندرية”، أن المهندس  دينو قراتيس، اتبع أسلوب “الهيبو دامي” في تخطيط المدينة وهو أسلوب مستوحى من رقعة الشطرنج، عبارة عن شارعين رئيسيين متقاطعين بزاوية قائمة، ثم تخطيط شوارع فرعية تتوازى مع كل شارع منهما، وبحسب قادوس فقد شاع استخدام هذا التخطيط في المدن اليونانية منذ القرن الخامس ق.م، ثم بعدها بدأ المهندس في إقامة جسر للربط بين جزيرة فاروس واليابسة.
وبحسب قادوس فقد اشتمل التخطيط الأول للمدينة على المباني العامة والتي شملت مقبرة الإسكندر، والمتحف، والمكتبة، والقصور الملكية ومعابد السيرابيوم، وقسمت المدينة إلى 5 أحياء كبرى حملت حروف الأبجدية اللاتينية الاولى: “ألفا، بيتا، جاما، دلتا وأبسلون”، والتي تمثل الحروف الأولى من خمس كلمات يونانية، ترجمتها “شيدها الإسكندر الملك ابن الإله”.
مقبرة الإسكندر
وبحسب الدكتور سليم حسن، فقد أوصى الإسكندر أن تحمل عاصمته اسمه في حالة وفاته، وكان الموت المفاجئ للإسكندر وهو في سن الرابعة والثلاثين سببا في أن تتجزأ امبراطوريته الواسعة بين قواده، ففي تلك الأثناء كانت ما تزال زوجته الفارسية حاملا بطفله وكان لزاما على قواده أن يتوصلوا إلى قرار بشأن ممتلكات الإسكندر، فآلت مصر إلى كبير قواده بطليموس والذي سمى نفسه بطليموس الأول. ويلمح حسن إلى أنه كان مقررا أن يدفن الإسكندر في مقبرته المعدة له والتي حسب تخطيط المدينة في الشارع المعروف بشارع النبي دانيال حاليا، ولكنه يشير أيضا إلى قرار القواد بدفن الإسكندر في واحة سيوة بجوار معبد آمون رع والده حسب الدعوى السياسية التي أطلقها الإسكندر وادعى أنه ابن آمون رع، ملمحا إلى أن ذلك الاقتراح انتصر في النهاية وجرى نقل جثمان الإسكندر من بابل إلى سيوة، ولكن عند مرور الموكب بمدينة منف في طريقه إلى الواحات قابله بطليموس ومعه مجموعة من الجنود وابقى على الرفات في منف، وطبقا لحسن فلم تذكر المصادر التاريخية أن كان بطليموس قد نقل الجثمان إلى الإسكندرية أم لا؟ ولكنه يشير إلى  نظرية المؤرخ اليوناني “بوزانياس” أن جثمان الإسكندر بقي في منف إلى عهد بطليموس الرابع (221 – 203 ق.م) والذي نقله إلى الإسكندرية.
هوامش
1- الإسكندرية أعظم عواصم العالم “بي دي أف” – مانفريد كلاوس – ترجمة: أشرف نادي – الهيئة العامة للكتاب  2009 – ص 17 إلى ص 30.
2- الإسكندرية تاريخ ودليل “بي دي أف” – أ .م فورستر – ترجمة: حسن بيومي – المشروع القومي للترجمة 2000- ص47 إلى 54.
3- موسوعة مصر القديم – الجزء 13 “بي دي أف” – د.سليم حسن – مهرجان القراءة للجميع 2000- ص 1 إلى ص 25.
4- آثار الإسكندرية القديمة “بي دي أف” – د.عزت قادوي – توزيع منشأة المعارف بالإسكندرية – الطبعة الثانية 2000 – ص 5 إلى ص 14.

الوسوم