ولاد البلد

الأسرار المدفونة في توابيت دير البنات

الأسرار المدفونة في توابيت دير البنات تابوت مومياء بمنطقة دير البنات بمحافظة الفيوم

لا يزال البحث مستمرا. في دير البنات أحد أقدم الأماكن الأثرية بالفيوم. بعثات تعمل يوميا من أجل اكتشاف الجديد. ثمة كنوز مطمورة، لكن بعيدا عن القيمة المادية، فإن كل اكتشاف يزيح جزءا من الغموض حول التاريخ المصري القديم.

يقع “دير البنات” في الجنوب الشرقي من مدينة الفيوم بالقرب من عزبة قلمشاة بالجبل الشرقي، يعود تاريخ المدينة إلى العصر البطلمي، من خلال الحفائر التي تمت بالمنطقة، تم العثور على العديد من التوابيت والعملات والحلي وغيرها، مما يضع أمامنا تصورا واضحا عن تلك المدينة وساكنيها في الماضي قبل أن تصبح الآن أطلالًا، إذ تخفي تحتها مطمورًا الكثير من المفاجآت والأسرار التي حيث لا يزال البحث عنها مستمرًا.

كنوز دير البنات

بدأت البعثات الأثرية بعمل الحفائر بمنطقة قصر البنات أو دير البنات كما يطلق عليها في عام 1983، حيث أسفرت عن كشف الكثير من الكنوز والأسرار، حسبما يقول الأثري أحمد عبدالعال، مدير آثار الفيوم الأسبق، والذي رافق البعثات العلمية في العديد من مناطق الحفر بالمنطقة.

يوضح عبدالعال: تم العثور في منطقة دير البنات على الكثير من العملات التي تعود إلى العصر البطلمي ومن بينها كانت توجد عملة ذهبية خاصة بالإمبراطور هرقل وابنه وكانت تستخدم في المعاملات المالية ما بين عام 613 وحتى 641م، كما تم العثور على مجموعة كبيرة من الحلي من أقراط وأساور وأحجار كريمة ومغازل للنسيج، هذا بالإضافة لبعض الدمي والتمائم المصنوعة من العاج وصليب من الخشب عليه كتابة باللغة القبطية تعود للأب “بسنت”.

تقسيم المدينة قديما

قد يتساءل الكثير ممن يرون أطلال دير البنات كيف كانت تلك القرية قديمًا، وكيف كان شكلها وتقسيمها المعماري؟، وهو ما يجيب عليه الدكتور وزيري عبدالوهاب في دراسته التي حملت عنوان “أدوات تزيين من دير البنات”، يقول: تعود منطقة دير البنات للعصر الروماني القبطي، وتنقسم إلى منطقتين أحدهما المنطقة السكنية والأخرى منطقة الجبانات، تقع المنطقة السكنية بالقرية على ربوة عالية وبها الآن بعض الأطلال للمباني قديمًا، وتبعد عن المنطقة المخصصة للجبانات مسافة 100م تقريبًا، وتمتاز منطقة الجبانات بأنها جبانات أو مقابر فقيرة، حيث تأتي على شكل حفر بيضاوية الشكل ذات عمق بسيط يتراوح ما بين متر إلى ثلاثة أمتار، ولا يتعدى طولها ما بين 120 إلى 180م، وعرضها ما بين 35 إلى 55م، والملفت أن أغلب الجبانات أو المقابر كانت تحتوي على أكثر من دفنة وكانت كل دفنة تعلو الأخرى، ولم يكتشف إلى الآن سبب تلك المقابر الجماعية.

أما عن نظام الدفن داخل مقابر دير البنات، فيقول وزيري:  يتم دفن المتوفي ويوضع في الجبانة بكامل ملابسه، وبالنسبة للسيدات كانت تدفن وهي في كامل زينتها، ثم يلف جسد المتوفي برداء أبيض من الكتان أو الصوف مطرزة باسم السيد المسيح وعلامة الصليب، وفي أسفل الجبانة وتحت المتوفي كان يتم وضع بعضًا من جريد النخيل أو الخوص، ويعود تاريخ دير البنات إلى القرنين الرابع والخامس الميلاديين، وهو ما يؤكده نظام الدفن المتبع، بالإضافة إلى ما تم العثور عليه من عملات رومانية وضع عليها الصليب وعليها نقش يشبه حرف (M).

ويشير الدكتور فتحي خورشید، في كتابه “كنائس وأدیرة محافظة الفیوم منذ انتشار المسیحیة حتى نهایة العصر العثماني”، إلى أن منطقة قصر البنات الحالية هي عبارة عن أطلال قرية شلا القديمة في العصر الروماني القبطي، حيث عثر على بقايا جدران بالطوب اللبن من المرجح أنها بقايا كنيسة قديمة، واستند في ذلك على الوثيقة المحفوظة الآن بمعهد الدراسات الشرقية بشيكاغو، التي يعود تاريخها إلى عام 947م، وتشير إلى أن هناك دير يطلق عليه دير شيلا قريبًا من دير النقلون ويشترك معه في ملكية واحدة، كما يؤكد نقش تم العثور عليه يعود تاريخه لعهد بطليموس وزوجته أنهما قد أوليا هذا المكان عناية خاصة ومنحا المعبد الذي كان موجودًا فيه حق لجوء المواطنين إليه.

 مومياوات دير البنات

في عام 2017 عثرت البعثة الأثرية الروسية التابعة لأكاديمية العلوم الروسية، التي تعمل بمنطقة دير البنات بالفيوم منذ عام 2003، وتضم العديد من خبراء التنقيب من مصر وروسيا، على تابوت يحتوي على مومياء، وبحسب علماء البعثة فهي ترجع إلى العصر اليوناني البطلمي.

وبحسب ما صرح به مصطفى وزيري، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، فإن المومياء كانت ملفوفة بالكتان وأنها كانت بحالة جيدة، ويعلو رأس المومياء قناع من الكرتوناج الذي كان يستخدمه المصريون القدماء في صناعة الأقنعة الجنائزية، وكان يتكون من الكتان والبردي، واستخدم فيه اللونين الذهبي والأزرق، وهي المومياء الرابعة من نوعها، وكانت توجد في تابوت ملون دلالة على مكانة صاحبها الاجتماعية وإنه من علية القوم.

وأضاف الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، ما يصف شكل المومياء التي تم العثور عليها، أن القناع كان مزينا برسومات تصور آلهة السماء، كما زين الصدر بصورة للإلهة إيزيس، وكان هناك رسم لقبقاب باللون الأبيض أسفل القدمين.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الكشف ليس الأول الذي يتم فيه العثور على مومياء، حيث إنه بحسب ما ذكرت يلينا تولماتشوفا، نائب رئيس البعثة الروسية، قالت: البعثة عثرت في منطقة دير البنات على ما يقرب من 400 مومياء أغلبهم لأفراد من عامة الشعب، لكن ما يميز المومياء التي عثروا عليها مؤخرًا هو وجود نسيج قبطي على المومياء، وهو ما كان العلماء يشاهدونه في المتاحف العالمية لكنهم لم يتوصلوا إلى مصدره، لكن بعد هذا الكشف الأخير في دير البنات أصبح مصدره الآن معروفا بالطبع.

الوسوم