ولاد البلد

اقتراح قديم لا يزال صالحا: لماذا لا يوضع نموذج السد العالي مكان تمثال ديليسبس؟

اقتراح قديم لا يزال صالحا: لماذا لا يوضع نموذج السد العالي مكان تمثال ديليسبس؟ عبدالناصر

في الأيام الأخيرة وبعد فيضانات السودان، نشرت العديد من المقالات عن السد العالي ما بين معارض للمشروع وجدواه وبين مؤيد، وكان مثيرا اتهام البعض عبد الناصر بأنه سرق فكرة المشروع من العهد الملكي وكأن الملك فاروق كان على وشك تنفيذه. هنا نبحث في منشأ الفكرة ومتى بدأت؟

السد العالي

كان أول حديث عن السد العالي بعد ثورة يوليو في الذكرى الأولى للثورة عام 1953. وقد أفردت مجلة المصور عدة صفحات بعنوان “السد العالي أضخم مشروع مائي عرفه التاريخ”، ووقتها التقى الخبير الإيطالي “لويجي جاليولي” صاحب فكرة السد بمحمد نجيب رئيس الجمهورية، ونشرت المجلة صورا تجمع الخبير الإيطالي بمحمد نجيب وهو يسلم نجيب أول فكرة عن مشروع السد العالي. طرأت الفكرة لذلك المهندس الإيطالي  منذ عام 1945 وبدأت بحديث بينه وبين رجل أعمال حول مياه الأنهار التي تذهب هباء وتطرق الحديث إلى خزان أسوان ومياه الفيضان التي يعجز الخزان عن حجزها، وكان جاليولي يعمل في ذلك الوقت في أضخم مشروع من نوعه بإيطاليا وهو مشروع سان جياكومو قرب ميلانو، ومن أثر اهتمامه بفكرة السد سافر إلى مصر عام 1947. وكان الحديث عن تعلية خزان أسوان وتوليد كهرباء منه، وعكف جاليولي على دراسة منطقة خزان أسوان وأدرك أن تعلية الخزان فضلا عن خطرها على الخزان القديم، لن تزيد كمية المياه التي يختزنها السد زيادة ملموسة، بل ولن يستطيع المسؤولون بعد التعلية أن يتحكموا في مياه النهر.

الخبير الإيطالي "لويجي جاليولي" صاحب فكرة السد يسلم الرئيس محمد نجيب فكرة مشروع السد العالي(1954)
الخبير الإيطالي “لويجي جاليولي” صاحب فكرة السد يسلم الرئيس محمد نجيب فكرة مشروع السد العالي(1954)

ولاحظ أيضا أثناء زيارته لأسوان أن مجرى النيل يضيق على بعد 8.5 كيلومتر شمالي الخزان ويجري في منخفض تحيط به مرتفعات لا يقل ارتفاعها عن 200 إلى 300 متر فوق سطح البحر. وهنا لمعت فكرة إنشاء السد العالي ففي تلك المنطقة يمكن بناء سد ضخم لا يحجز فيضانا واحد فحسب، بل عدة فيضانات، فضلا عن الإمكانيات الضخمة لتوليد الكهرباء.

مشروع جاليولي

بعد ثورة يوليو عرضت ألمانيا على مصر مساهمة رجالها الفنيين في تحقيق وتنفيذ مشروعات كبرى في مصر، فعرض مشروع جاليولي على الخبراء الألمان وقام الألمان بوضع تصور أولي لتنفيذ المشروع. وكان ذلك عام 1953 وكانت تلك الزيارات لمناطق العمل تتم بمرافقة قائد الجناح جمال سالم، ذهبت مجلة “المصور” لتلتقي بالخبراء الألمان الموكل لهم وضع التصميمات النهائية للمشروع وتحدثت المجلة معهم عن تكلفة المشروع، فأجابوا بأن التكلفة المبدئية تقدر بنحو مائة مليون جنيه ويستغرق تسع سنوات، وسأل المصور الخبراء لماذا لا نزيد ارتفاع خزان أسوان مرة أخرى فنوفر لمصر تكاليف إنشاء سد جديد؟، وهز الخبير رأسه وقال: هناك أسباب فنية تمنع أية زيادة في ارتفاع خزان أسوان وكل زيادة قد تؤدي إلى تصدعه وانهياره.

قرار التأميم

بعد دراسات مستفيضة للمشروع، أقر البنك الدولي جدوى المشروع فنيا واقتصاديا، وفي ديسمبر 1955 تقدم البنك الدولي بعرض لتقديم معونة بما يساوي ربع تكاليف إنشاء السد، إلا أن البنك الدولي سحب عرضه في 19 يوليو 1956 بعد ضغوط من إنجلترا وفرنسا وأمريكا، وكانت النتيجة هي تأميم شركة قناة السويس، ثم اندلاع العدوان الثلاثي الذي انتهى بانسحاب الدول المعتدية، وفي تلك المعركة نسفت جماهير بورسعيد تمثال ديليسبس من على قاعدته عند مدخل قناة السويس. وكان ديليسيس ومازال يمثل رمزا للاستعمار والسخرة، وكل ما عاناه الشعب المصري أثناء حفر القناة.

رمز النصر

بعد العدوان الثلاثي، كتب الكاتب الصحفي حلمي سلام مقالا في مجلة المصور بعنوان: “رمز النصر في معركة التحدي..أقيموا له نموذجا على مدخل القناة مكان دليسبس” يطالب فيه بوضع نموذج للسد العالي مكان تمثال دليسبس، وقد كتب “العلاقة بين السد العالي رمز النصر في معركة التحدي العظيم وبين قناة السويس أشهر من أن تحتاج إلى توضيح، فلقد مر الطريق إلى السد العالي بقناة السويس، مر بها تاريخيا وماديا وواقعيا .. فكانت أول إشارة صدرت منا بقبول تحدي أمريكا لنا فيما يتعلق ببناء السد العالي كانت هذه الإشارة هي تأميم قناة السويس بحيث تتم إعادتها إلينا واستخدام إيراداتها في بناء السد العالي، إذن هناك علاقة تاريخ وعمل ودم أيضا”. وفي نهاية المقال يقول سلام: يجب أن نقيم له نموذجا على مدخل القناة على نفس القاعدة التي كان يقوم عليها تمثال دليسبس، بحيث تراه جميع السفن القادمة إلينا من الشرق ومن الغرب، وبحيث تراه جميع السفن التي تحمل أعلام أمريكا التي سحبت قرارها بتمويل السد، بقصد أن تعجزنا على بنائه.

ومن المفارقات المحزنة أننا نستعرض هذا المقال القديم لحلمي سلام في الوقت الذي نقرأ فيه مطالبات البعض بعودة تمثال ديليسبس مرة أخرى على قاعدته في بورسعيد بدلا من وضع تمثال يعبر عن صمود الشعب المصري إلي حفر القناة بدمه وعرقه .

 

الوسوم