ولاد البلد

إبراهيم البريدي مؤسس «المرج خيط»: قصاقيص قماش تصنع البهجة

إبراهيم البريدي مؤسس «المرج خيط»: قصاقيص قماش تصنع البهجة الفنان إبراهيم البريدي مبتكر فن المرج خيط

قصاقيص قماش، خيوط ألوان مبهجة، تكوينات ورسومات شعبية، تتحول إلى إبداع يعبر عن الريف والحضارة المصرية، أو شخصيات فنانين مشاهير أو دمى معروفة، كل هذا صنعته يد الفنان إبراهيم البريدي، مؤسس فن «المرج الخيط». البريدي فنان تشكيلي ورسام كاريكاتير، من مواليد محافظة الغربية، مركز طنطا، حصل من خلال فنه على جائزة الدولة التشجيعية عن عمل الليلة الكبيرة، كما حصل على العديد من الجوائز الأخرى سواء المحلية أو الدولية.. «باب مصر» يتعرف على قصته.

البدايات

وسط الحقول الخضراء ورائحة الياسمين التي تشتهر بها قرى الغربية، نمت موهبة الفنان إبراهيم البريدي، الذي عشق الرسم منذ صغره وتعرف عليه من خلال الكتب المدرسية، لفت البريدي انتباه مدرسي الرسم في مراحله التعليمية، حيث بدأت موهبته تنمو، لكن بعد أن أنهى المرحلة الإعدادية وانتقل إلى الثانوية التجارية انقطع عن عالمه الجميل حيث كانت لا تهتم المدارس الثانوية التجارية بالرسم.

انتقل البريدي لمرحلة أخرى وهي القراءة التي فتحت أمامه عالمًا آخر، فيقول: بدأت أهتم بالقراءة والتعرف على فن الكاريكاتير من خلال حبي للفنان مصطفى حسين، ورجعت للرسم مرة أخرى بشكل مكثف، وفي عام 1985 قررت مقابلة الفنان مصطفى حسين، فقد كنت أتمنى أن تحمل رسوماتي توقيعي مثلما يفعل الفنان الكبير، وهو ما جعلني أسافر من طنطا إلى القاهرة لمقابلته في مؤسسة أخبار اليوم.

لم تحقق مقابلة الفنان مصطفى حسين مراد البريدي، حيث كان رأي الفنان الكبير أن البريدي يحتاج إلى من يوجهه وأن رسوماته تحتاج إلى الخبرة، فوجهه إلى ضرورة الالتحاق بالقسم الحر بكلية الفنون الجميلة لدراسة الفن بشكل أكاديمي، لكن البريدي لم يتمكن من ذلك، وقرر أن يعلم نفسه من خلال القراءة وتقليد الرسومات ورسم لوحات خاصة.

مرحلة جديدة

عرف البريدي في عام 1998 عن مسابقة تقام في كوريا الجنوبية لرسم موضوعات خاصة بالبيئة، فشارك فيها بعمل فني باسم “الهروب من الأرض” تناول الهروب من الأرض والاتجاه لكوكب آخر بسبب التلوث البيئي، وفاز البريدي بالجائزة الأولى، وهو ما جعله يذهب مرة أخرى إلى الفنان مصطفى حسين، وكانت تلك الزيارة مختلفة تمامًا عن الزيارة الأولى. ويقول البريدي عنها: ذهبت بالجائزة لمكتب مصطفى حسين، وبمجرد أن رأي الجائزة والرسمة الفائزة قال لي أنت من اليوم معنا كرسام في مجلة الكاريكاتير، وانضممت لأسرة المجلة بجانب عمالقة فن الكاريكاتير أمثال، زهدي وناجي وتاج، وبدأت ارسم إلى أن أصبح لي صفحتين بالمجلة، ثم انتشرت رسوماتي في العديد من المجلات والجرائد الأخرى مثل، العربي الناصري، جريدة الأسبوع وغيرهم، واشتركت في العديد من المعارض وحصلت على العديد من الجوائز في فن الكاريكاتير.

جذبت رسوم الأطفال البريدي، فاتجه بجانب عمله كرسام كاريكاتير إلى رسومات كتب الأطفال، وحصل على جائزة سوزان مبارك لأدب ورسوم الأطفال ثلاث مرات أعوام 2000، 2002، 2004، ثم عمل كرسام في مجلات الأطفال الشهيرة مثل (العربي الصغير، ميكي، قطر الندى)، كما شارك البريدي في عدد من المعارض الدولية في تركيا، فرنسا، بلجيكا، قطر، إيران، صربيا.

قصاقيص قماش

انتقل البريدي من طنطا إلى الإقامة في القاهرة، فسكن في منطقة المرج القديم، لكنه لم يكن يعلم وقت أن اسم المنطقة سيرافقه بقية حياته مثل اسمه تقريبًا، ومنها سيبدأ مرحلة جديدة أخرى من مراحل حياته، حيث أسس فن خاص به أطلق عليه “المرج خيط” ويحكي البريدي عن هذا الفن وبدايته التي جاءت بمحض الصدفة، فيقول: “لفت انتباهي وأنا أسير في الشارع أثناء العودة لمنزلي بمنطقة المرج، سيدة تبيع قصاقيص قماش ملونة، كانت ألوانها مبهجة وجميلة، اشتريت منها كمية من القصاقيص وحملتها إلى المنزل دون أن أعلم ماذا سأفعل بها، وفي المنزل وضعتها أمامي، وشكت منها أشكال مختلفة دون تخطيط منى أو قصد، ثم بدأت أضعها على شاسية من القماش على شكل أشكال متنوعة من أطفال وبيوت وطيور وعرائس وهكذا، وساعدني كثيرا مخزون ذاكرتي الخاص بقريتي في طنطا”.

حكاية المرج خيط

عمل البريدي عدة لوحات من خلال تكوينات فنية استخدم فيها قصاقيص القماش الملونة التي وضعها على لوحة من القماش وثبتها من خلال الحياكة العشوائية، وفكر أن يأخذها معه للجمعية المصرية للكاريكاتير ليريها لأحد أصدقائه، اندهش كثيرًا، فما اعتبره لعب بالقصاقيص نال إعجاب زملائه وأصدقائه من فناني الكاريكاتير، كانت الرسومات جميعها تشبه رسومات وروح الأطفال بشكل كبير، حيث يشعر من يرى تلك العرائس الصغيرة الملونة كأنها تلعب وتلهو سعيدة. اتجه البريدي برسوماته للمجلس القومي للأمومة والطفولة، فنالت إعجاب مسؤولي المجلس، حيث تناول خلالها أفكار عن مناهضة العنف ضد الأطفال وغيرها من قضايا تخص الطفل، وقام من خلال المجلس بتنفيذ العديد من الورش لتعليم الأطفال هذا الفن الجديد.

وعن معني “المرج خيط” يقول البريدي: “تلك قصة أخرى تدخلت فيها الصدفة أيضًا، حيث أقنعني فنان الكاريكاتير سمير عبدالغني، أن أركز اهتمامي على ما ابتكرته من فن وشجني أن أقوم بعمل معرض للوحاتي، وبالفعل كان أول معرض لي في ساقية الصاوي عام 2005 تحت عنوان “قصاقيص”، ضم المعرض حوالي 70 لوحة جميعها لوحات تلقائية، من يشاهدها يعتقد أنها رسومات لطفل لا يتعدي الـ6 سنوات، لكنها دخلت قلوب الجميع، وخلال المعرض سألتني إحدى الصحفيات عن اسم هذا النوع من الفن وبشكل تلقائي وأنا أضحك قلت اسمه “المرج خيط”، فسألتني لماذا “المرج خيط”؟، قلت لها لأني أعيش في المرج، وخيط لأني أقوم بتثبيت القصاقيص على اللوحة باستخدام الخيط”.

لم يكن يدرك البريدي، أن ما قاله بشكل تلقائي للصحفية سيتحول في اليوم التالي لعنوان رئيسي في مجلة صباح الخير: “فن المرج خيط فن جديد ينسب للفنان إبراهيم البريدي”، ومن بعدها تناولت كافة الصحف الرئيسية الموضوع، وانتشر اسم المرج خيط ونسب للفنان إبراهيم البريدي.

تلقائية وبساطة 

“المرج خيط فن قائم على إظهار الخيوط وليس إخفائها في تكوين العمل الفني، وهو فن صعب جدًا وسهل جدًا في نفس الوقت”، هكذا يصف البريدي ما يقوم به، ويقول: “استخدم الحياكة في تثبيت القصاقيص على اللوحة القماش، لا اهتم بأن تكون الخياطة دقيقة، فأنا لا أقلد الخيامية كما اتهمني البعض، ولم أر تصنيع الخيامية في حياتي، وصعوبة ما أقوم به تكمن في اختيار الألوان، على عكس الخيامية المميزة بألوان محددة، أما المرج خيط يمتد إلي عشرات الألوان المختلفة، وعندما أعمل يكون أمامي أكثر من 120 لون لقصاقيص القماش، ودائما ما أقول لمن أعلمه هذا الفن أرجع إلى طفولتك واختر الألوان التي تحبها”.

يتابع البريدي: “أعمل بروح الطفل بداخلي، لا أنتظر ردود فعل من أحد، ولا أهتم بالأبعاد الثلاثية أو الكتلة والبؤرة وغيرها من الأسس الأكاديمية، وببساطة أنا استمتع بما أفعله. رسوماتي تنتمي للحارة المصرية أو القرى الريفية والتراث الشعبي، ومن مخزون الذاكرة الذي يرجع لقريتي الريفية، بعناصرها المختلفة، كما أني أبحث في تراثنا الزاخر في النوبة، والفلاحين، والبنائين، والأسواق، والمسرح، والسيرك، وغيرها من مصادر، وكان أشهر المعرض التي قمت بتنفيذها وحققت لي شهرة كبيرة معرض رسومات الليلة الكبيرة بشخوصها المميزة، ومعرض شارلي شابلن الذي قمت من خلاله بمزج تلك الشخصية الشهيرة بالحارة الشعبية المصرية”.

يختتم البريدي حديثه: “لا يحتاج فن المرج خيط إلي خبرة مسبقة في فن الرسم، وخير دليل أن والدتي وهي سيدة في عمر الثمانين طلبت منى تعليمها لتمضية وقت فراغها ومساعدتي، ونفذت بنفسها معرضًا فنيًا في ساقية الصاوي في عام 2009، رسمت فيه كل عناصر القرية من بيوت وحيوانات وطيور بفطرتها البسيطة، وقد حاز معرضها على إشادة إعلامية وإعجاب كافة زوار المعرض، وقد اكتشفت بعد معرض والدتي أن ما بداخلي من فن يرجع لتلك السيدة العظيمة”.

الوسوم