أم شكرية وعزيزة وجليلة.. حكايات سيدات من دفتر الفتونة

أم شكرية وعزيزة وجليلة.. حكايات سيدات من دفتر الفتونة أحياء مصر القديمة ومسلسل الفتوة- تصميم: أحمد طه
كتب -

أعاد مسلسل “الفتوة” الذي يعرض في الوقت الحالي خلال شهر رمضان، بطولة الفنان ياسر جلال، وإخراج حسين المنباوي، وتأليف هاني سرحان، الفتونة إلى الأذهان في أحياء مصر القديمة منذ أكثر من مائة عام، خاصة منطقة الجمالية.

“باب مصر” يستعرض حكايات لسيدات عشن في دنيا الفتوة، وهل كانت السيدات يتمتعن بهذه الصفات حينما كانوا فتوات؟، أم أن لهن طابع خاص يتميزون به عن الرجال.

الفتوة

تجسد الفنانة فريدة سيف النصر والملقبة بـ”الحاج أحمد”، دور فتوة منطقة الحطابة، التي سميت بهذا الاسم نسبة إلى تركز تجار الحطب في العصر العثماني في هذه المنطقة، والحطابة تمثل أهم مركزين لتجارة الحطب في القاهرة، أولهما في بولاق حيث دكك الحطب، والآخر في هذا الحي القريب من القلعة.

والفتوة في المفهوم الشعبي، هو قائد جيش الحي ورافع أعلامه والمدافع عن كرامة سكانه، وانتصاراته على فتوات الأحياء المجاورة هي التي ترفع قامة أهالي منطقته، وتدعوهم للفخر بمكانته وحبهم له وبما يتميز به من شجاعة وقوة وقدرة.

“أم شكرية” سيدة فتواية من مدينة بورسعيد تتصف بأنها أطول من أطول رجل، ضخمة ذات قوة هائلة، صوتها كالرعد، ترتدي جلبابها البلدي المشقوق مثل الرجال محزمة رأسها بخمارها الأسود.

يحكى الكاتب الروائي مكاوي سعيد، في كتابه “القاهرة وما فيها حكايات، أمكنة، أزمنة”، أنه بدأت حكاية الفتونة مع أم شكرية حينما وقفت في صف جارتها في إحدى معاركها حينما أهانها زوجها وتغلبت في المعركة التي شهدتها إحدي شوارع بورسعيد، وكان أجرها نظير ذلك قفصا من الدجاج، أو زوجين من البط، أو كبشا كبيرا لو كانت المشكلة تنتهي بالسجن عدة شهور.

وبعد خطاب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر 1965م، الذي أعلن فيه تأميم قناة السويس، انسحب المرشدون الفرنسيون والإنجليز من القناة ليتسلموا بدلا منهم المصريين، وانتشر وقتها خبرا بين الأهالي بأن القناة في خطر وقد تدك بالقنابل.

تحركت “أم شكرية” على رأس فرقة مكونة من مائة وعشرون امرأة مسلحة للدفاع على القناة من العدوان وحمايتها من أي عدو، وبعد العدوان الثلاثي على مصر تحولت من الفتوة إلى رمز المقاومة الشعبية، حيث باعت كل ممتلكاتها وحملت الأموال إلى قسم الشرطة لشراء أسلحة باسمها وساهمت في المقاومة إلى أن استشهدت على يد جندي إسرائيلي حينما طعنها بـ”سونكي” أثناء حركات المقاومة، وقرأ الناس في جرائد الصباح “استشهاد مواطنة صالحة اسمها أم شكرية”.

الدرب الأحمر

في حي المغربلين بمنطقة الدرب الأحمر قلب القاهرة الفاطمية، نسبة لعصر الدولة الفاطمية، الذي أطلق عليه هذا الاسم لشهرة إحدى الحرف المرتبطة بتجارة الحبوب وهي “الغربلة”، تسمع قصة “عزيزة الفحلة”، التي ذاع صيتها كفتوة وكانت مشهورة بالقوة، كما كانت عونا للفقير وتناصره على القوى.

المصادر التاريخية ومنهم كتاب الباحث سيد صادق عبدالفتاح، “تاريخ فتوات مصر ومعاركهم الدامية”، سرد قصتها المشهورة وسط الذاكرة الشعبية للأهالي، حينما أوقفت وتصدت لموكب الخديوي عباس، إبان تعرضها للظلم من قبل مأمور قسم، ثم تطلعت إلى الحكمدار إلى أن وجدت نجدتها خلال ذلك الموكب، لترفع شكوتها وتخاطبه وسط أتباعها قائلة “مظلومة يا أفندينا مظلومة يا أفندينا”، حتى لا يتعرض موكب الخديوي للتوقف مرة أخرى، وأمر بحل مشكلتها على الفور.

وتتوسط شياخة المغربلين 6 شياخات من 14 شياخة، يضمهم قسم الدرب الأحمر من الجهة البحرية، شياخة حارة الروم، أما من الجهة الشرقية، يحدها شياخة الدرب الأحمر وشياخة سوق السلاح، أما الحد القبلي شياخة السروجية، والحد الغربي يحدها شياختان هما الدوادية والقريبية.

أما حدودها من الشوارع: الحد البحري شارع الدرب الأحمر ابتداء من قبالة ميضة رضوان، حتى تقابله مع شارع التبانة الحد الشرقي، شارع التبانة سكه المرداني حتى جامع المرداني، الحد القبلي، درب الدالي حسين بضفتيه، حتى تقابله بشارع المغربلين الحد الغربي شارع المغربلين بضفتيه.

فتواية الجيزة

أما في منطقة الجيزة، وخاصة في المنطقة القبلية كما كان معروف في هذا التوقيت تسكن “جليلة” فتواية المنطقة، التي كانت تضرب “أتخن تخين” في أي مشاجرة للدفاع عن الظلم وبدافع الشهامة ونصرة الضعيف على الظالم.

“جليلة” كانت لا تدخل مشاجرة لمجرد الخناق وفرض السيطرة والجبروت على الناس، ولكنها كانت تؤمن أن الفتونة تنبع من الشجاعة والمروءة والدفاع عن المظلومين، وكانت تحكم في المشاكل الكبرى بين أبناء المنطقة، ويروى سكان منطقتها أن نسبة الطلاق كانت منعدمة وقتها، لأنها كانت تذهب لأي زوج يتشاجر مع زوجته ويظلمها.

لم تستمر “جليلة” في الفتونة وتركتها وعملت معلمة، ثم صاحبة قهوة بسوق الأحد، حينما قتل أبنائها خالها وسلمتهم للشرطة، وقالت مقولتها الشهيرة “أنا أصلى أحب الحق حتى ولو على ولادي”.

يظل تاريخ الفتونة سواء من الرجال والسيدات، مليئ بالعديد من القصص والحكايات، التي لم تسرد وتحتاج إلى البحث والتنقيب عن سيرة هؤلاء الذين قضوا حياتهم في حقبة مهمة من تاريخ مصر.

 

الوسوم