ولاد البلد

أمثال وقصص ومواويل: حكايات بحر النيل

أمثال وقصص ومواويل: حكايات بحر النيل صياد في نهر النيل.. تصوير: مريم الرميحي

أصبح الرابط بين المصريين وحكايات النيل ليس فقط منفعة الارتواء والحياة، إنما رابط وجداني أيضًا تغنوا به في قصائدهم وأشعارهم، ووثقوا وجوده كفرد أم في بنيانهم يكاد لا يخلوا عمل مرئي أو مسموع أو مكتوب من تجسيد لسريان شريان النيل في قلب المصريين.

حكايات النيل

تذكر الدكتورة نعمات أحمد فؤاد في كتابها “النيل في الأدب الشعبي”: النيل بالأمس كان الزارع الأكبر، ولم يشغله الري والسقيا وتنضير الضفاف عن نسج القصص وإطلاق الأمثال وإيحاء الأغاني والمواويل ومما يوضح كل هذا الوفاء له، وهذه الفنون الشعبية والنيلية ليست للتسلية أو السمر الخالي المتخفف من الأعباء، إنما أيامنا على النهر وقصتنا معه ورأينا فيه وتصورنا له وإحساسنا به، فيها خيال نعم، وشطط أحيانا وفيها حقائق كثيرة وفيها تهاويل غير قليلة نعم إنها كذلك.

وأضافت، ولكنها أيضًا فيها أنفسنا بشمائلها وأحلامها وأمانيها ومشاعرها، آلام وآمال قد تختفي فيما طوى اللفظ وقد تعلن حين يبين، وجميعها رصيد يستأهل الحرص عليه، وليس كالفن مقياس لسيرنا فهو المرآة التي تبدي الصورة في غير زيف أو تمويه.

كما بينت فؤاد من نماذج لوجود النيل في الأدب الشعبي، مثل:

القمح دا ما انفضه.. والطين ما انقيه

يا أمي اعملي لي سلوك.. ذهب أغربل لحبيبي فيه

وأيضا:

يا شايله البلاص دلي اسقيني.. يا حاردة القصة على الجبين لويلي

سلامة الحمرة من المباع.. سلامة الحمرة طويلة الباع لويلي لويلي

كما تغنى لأدوات النيل ولوازمه وزرعوه في الأدب الشعبي الشادوف والساقية والمحراث والنورج:

يا ساقية دوري ورشي من بعيد.. وازجي حيضان الملوخية وحوض الجنزبيل

استعجبت ناس البحيرة والصعيد.. على الواد دا اللي بنا له بيت جديد

وأيضًا: يا بيت يا مبنته يا عشقة القاضي.. تحت قصتك قلل وبرادي

اعرف رجالي على المعدية.. راكبين كحايل واشناب ملوية

وليلة عدمهم شمت العدو فيه

فضلا عن أساطير عروس النيل والاحتفالات بعيد الوفاء للنيل في أغسطس من كل عام، فالنيل نال التقديس من الشخصية المصرية على اختلاف عصورها منذ الأدب الفرعوني، صلاة أخناتون له وجعله الإله عند المصريين القدماء، مرورًا بمصر المسيحية واعتناقها الإسلام كلهم وصفوه بالمبارك.

التراث الشعبي

يروي الدكتور مصطفى جاد، وكيل المعهد العالي للفنون الشعبية، لـ”باب مصر”، أن النيل يعد من العناصر الرئيسية الموجودة في كافة أنواع التراث الشعبي المصري بشكل عام، على سبيل المثال، مجال الأدب الشعبي سنجد أن واحدة من السير الشعبية المهمة في مصر والمنطقة العربية سيرة سيف بن ذي يزن، التي كان بطلها وهدفها الرئيسي هو البحث عن كتاب النيل الذي حمل طلسم ورموز من شأنها أن تجري مياه النيل في مصر، وقد نجح البطل في النهاية بعد رحلة شاقة واستطاع التصدي لأعداء الوطن والسحرة، وبدأ النيل يجري وفق السيرة الشعبية والخيال الشعبي من الجنوب للشمال.

وتابع: في المعتقد الشعبي يؤمن المصريون إيمانًا راسخًا بدورمياه النيل في الحياة بشكل عام على سبيل المثال بعض الممارسات الشعبية، التي من شأنها أن الحبل السري للطفل يلقى في ماء النيل رغبة في أن يعيش الطفل وينمو، لأن النيل رمز الحياة وجريانها والنماء، وكلمة ماء ذاتها في التصور الشعبي ارتبطت بها عادات وتقاليد، اختراعنا في عاداتنا وحرفنا الشعبية العديد من الأدوات لحفظ الماء، كذلك “القلة الفخارية” عنصر رئيسي ومرتبط أيضًا بنواحي تشكيلية شكلها جميل وتوضع في مكان مميز وجيد من أجل تبرد المياه وتجعله ويوضع بجوارها الليمون والزهر والأشياء الجميلة التي تجعل المياه مذاقه جميل، و”زير المياه” أيضًا يصنع بشكل ينقي المياه من أي شوائب، والاحترام والتقدير لمياه النيل الذي جعلهم يهتمون بشكل هذه الأدوات الجمالية من زخارف.

وأضاف جاد، أنه هناك المأثور الشعبي الذي كاد يتوارث بين أبناء الشعب المصري “اللي يشرب من مياه النيل لازم يرجعلها تاني”، حتى حفظه الأجانب من زوار مصر، أصبحوا يشربون منه أثناء رحلاتهم النيلية إيمانا منهم به، كما أن النيل أيضًا مرتبط بالحرف والعادات والتقاليد الشعبية، فحرفة الصيد، المرتبطة بالمركب الصغير، وفيها الصياد البسيط وأسرته على فلوكة صغيرة آمنين لهذا النيل والخير الذي يأتي منه، ووصلت المسألة إلى أن هناك معتقدات خاصة بكائنات تعيش في النيل مثل “الدجري” في المعتقد الشعبي عند النوبيين، وهي كائنات تعيش في النيل وتتعامل مع البشر بشكل خير وهناك علاقة بين الكائنات الخرافية التي تعيش في النيل بالإنسان بشكل عام.

وأيضا هناك النداهة التي تخرج من النيل و”تنده”، ولها أشكال كثيرة جدًا في المعتقد الشعبي، حتى أنها اخترعت لحماية الإنسان من الغرق أو أن يذهب الأطفال للأماكن العميقة في النيل، وفي عادات الزواج حتى الحديثة منها، تجد العروسين يحرصون على الذهاب للاماكن النيلية على الكباري النيلية القريبة من النيل للتصوير بالقرب منه، وهذا يدل على العلاقة الجميلة بين المصريين والنيل.

وفي التراث المصري القديم كان هناك عيد الوفاء، وهو احتفالية كبرى تقام، وأيضًا الاحتفالات الخاصة بذكرى العائلة المقدسة ومرورها بنيل مصر من القاهرة حتى موقعها الأخير في أسيوط في مركب نيلي، حتى الأيقونات المسيحية تشير لذلك، فضلا عن الأمثال الشعبية التي ارتبطت بالنيل والمياه وعادة رش المياه موضع سقوط أي طفل لحفظه من الأذى من الكائنات السفلية.

ويذكر الدكتور جاد، سنجد أشياءً كثيرة جدا أيضًا مرتبطة بالتراث الخاص بالزراعة والطقس والنيلة الزرقاء مادة طمي خاص بالنيل، التي تستخدمها المرأة في الوحم وأدوات التجميل، والأعمال السحرية برميها في النيل لأغراض إيجابية وليست شريرة، اعتقادا منهم بقدرته على الخير، فضلا عن ممارسات مثل، شق البحر للنساء الراغبات في الإنجاب، لأنه مرتبط بالنماء والخير، ورمي شعر الفتيات لتطويله، هذه العادات مازالت موجودة في النوبة ومحافظات الجنوب.

وهناك العادات الخاصة بالمواسم الزراعية والشهور القبطية في الأمثال، مثل: “طوبة تخلي الصبية كركوبة.. كياك روح الغيط وهات”، هذه المأثورات الشعبية مرتبطة بالطقس المصري على شاطئ النيل، لأن هذا الطقس بدون النيل كأن لم يكن، كما أنه في الأغاني والمواويل والأمثال يطلق المصريين على النيل البحر، وهذه استعاره للفظ على النيل للترميز لسعة وطول النيل.

ويحكي جاد أن فكرة النهر والمياه العذبة والتصورات الشعبية الإبداعية الموجودة في الشعب المصري منذ آلاف السنين هي من صنعت العلاقة المختلفة عن كل البلاد التي يمر بها نهر النيل، منذ الثقافة الفرعونية القديمة ومراكب الشمس والقسم الشهير “أقسم بأني لن ألوث مياه النيل”، وصلاة أخناتون الشهيرة، وجعلهم من النيل الإله “حابي”، مرورا بكل الحضارات التي مرت على مصر فيما بعد القبطية والإسلامية والحديثة كونت في النهاية الشخصية المصرية الفريدة عن دول أخرى من حوض نهر النيل.

ونوه وكيل المعهد العالي للفنون الشعبية، بأن النيل يرتبط لدينا بالعادات الميلاد الزواج والاحتفالات والوفاة والحرف الشعبية، كجزء من دورة الحياة الجديدة، لأن التراث الفرعوني أقرب للإسلامي في إنك لم تمت، إنما ستنتقل لحياة أخرى وجنة ونار، الشخصية المصرية شخصية حضارة وتاريخ، حتى أنه في الإبداع الشعبي أحد الرواة الشعبيين المعاصرين من محافظة القليوبية أبدع قصة خاصة بكيف مياه نهر النيل في سيرة سيف بن ذي يزن أتت، فجعل البطل يمتطي حصان وفي زيله مكنسة كبيرة، كلما تحرك من الجنوب للشمال تفتح مجرى جديد للنيل، حتى في قرية الراوي صمت الجزيرة، أي لهذه الدرجة الخيال الشعبي يبدع كيف رسم النيل والبيوت المحيطة به.

واستكمل: الوقوف على نهر النيل أيضًا ارتبط بأشهر قصص الحب قديما وفي العصر الحديث، قدرته على تأليف بين قلوب العشاق، فالنيل ارتبط بوجدان المصريين ورفيقا وعنصرا أساسيا من الشخصية المصرية، لا يطلب مننا النيل أكثر من المحافظة عليه.

ويؤكد الدكتور جاد، نحن نحتاج لتنظيم وتعظيم استخدام النيل استخداما جيدا، مثال أن تأخذ وسائل المواصلات النيلية أهميتها مستغلين امتداده من جنوب لشمال البلاد، فضلا عن إعادة النظر لاستغلاله اقتصاديا، ودعم خطوات الدولة في إزالة التعديات عليه لعودة شكله التراثي.

الأدب الشعبي

أما الدكتور صلاح الراوي، رئيس قسم الأدب الشعبي بالمعهد العالي للفنون، يقول: نهر النيل فريد عن أنهار العالم، فالجماعة الشعبية دائما ما تردد فكرة كتاب النيل، وهو الذي أتى به سيف ذي يزن صاحب السيرة المصرية الشهيرة أتى بهذا الكتاب وخلفه يجري النيل حتى أودع في القاهرة، وكثيرا من البلدان نجدها داخل السيرة مثل، بولاق الدكرور وغيره، وهم أبناء لسيف بن ذي يزن أو شخصيات داخل السيرة، هذه السيرة تربط العلاقة بين مصر واليمن وإفريقيا وحركة النيل وهذا في المبدأ العام، وهذا أساس في الثقافة الشعبية المصرية، فكرة كتاب النيل وهذه السيرة العظيمة المخصصة لهذا الموضوع.

وتابع: النيل مكان يذهب إليه الناس في الملمات المصيبات الكبرى يفرحون أو يحزنون يذهبون إليه، ويذكر الراوي في هزيمة 1967 وتنحى الزعيم جمال عبدالناصر: خرج الناس إلى النيل، وحتى في أيام الإخوان، لم أجد مكانا أذهب إليه سوى النيل نسأله هل هذا يجوز، وهنا أمثل جزء من وجدان هذا الشعب كواحد من أبناءه، إذن نهر النيل ليس مجرد مجرى أو مورد مائي، إنما هو تاريخ وحضارة ووجدان.

لذلك جعل المصريون في ثقافتهم الشعبية النيل كنز ومستودع لأسرارهم، في قريتي أسوان، هناك وصال بين الناس والنهر في عاشوراء يذهبون للاحتفال عنده مع أنهم مجتمع سني، وينزلون لماء النيل ويقدموا المكرونة وحلوى التمر المغلي ويدفعون به لنهر النيل.

وفسر الراوي إطلاق الناس عن النهر بـ”البحر”، فقال: مفهوم البحر أوسع وهو ليس بلفظ خاطئ، فنحن نقول نبحر فيه لا ننهر فيه، أيضًا بعضنا لا يعرف كثيرا عن البحر ولا يذهب للمصايف، فالنهر هو عالمنا الحقيقي، وأيضا النهر في بعض المناطق هو الماء الكثير مثل، قنا وأسوان، فهو بحرنا، “فرحنا بالنيل والنيل هيغرقنا”، والمقصود هنا ليس النيل وإنما استخدام البلاغة فيه بالفرحة بالنيل والمتوقع منه الخير دائما، وكذلك “البحر يحب الزيادة”.

ويشرح الراوي الاعتقاد في نهر النيل، فالمعتقدات به كثيرة مثل وجود ملائكة بالإضافة للعقيدة القديمة الإله “حابي”، إذن هو في التصورات الكثيرة التي ليس لها حدود، في المعارف والخبرات ري وصيد، في عاداتنا وتقاليدنا نمارسها، في الفنون القولية الموسيقى الغناء، الفنون التشكيلية رسم الحجاج نرسم في الخلفية النهر والنخيل والسفن، في الدراما الشعبية المسرح الشعبي على ضفافه، ثم التشكيل المادي نحن نصنع مراكب للنيل، ومن شجر السنط الذي يظهر على النيل.

اقرأ أيضا

فيديو| والناس في حبه سكارى هاموا على شطه الرحيب

أمثال وقصص ومواويل: حكايات بحر النيل

النيل مشاهد تنبض بالحياة في تاريخ السينما المصرية

الوسوم