ولاد البلد

«أرشيف زينون».. هكذا كانت الحياة في قرية فلادلفيا بالفيوم

«أرشيف زينون».. هكذا كانت الحياة في قرية فلادلفيا بالفيوم منطقة آثار فيلادلفيا.. أرشيفية

شهدت الفيوم عبر تاريخها تحولات هامة خلال العصور المختلفة، وفي عصر ملوك البطالمة كان إقليم الفيوم محط الأنظار على مدار ثلاثة قرون، حيث تغيرت أسماء القرى، وتأسست قرى جديدة بأسماء رومانية إغريقية. وساعدت الاكتشافات الأثرية في «فيلادلفيا» على تصور كيف كانت الحياة في القرى الرومانية، إذ عثر على سجلات زينون أو أرشيف “زينون” ذلك الرجل الذي سجل كل ما كان يدور من معاملات تجارية واجتماعية بصفته أحد كبار رجال الدولة.

فيلادلفيا “المحب لأخته

فيلادلفيا هو اسم يوناني خالص بمعنى “المحب لأخته”، وقد أنشأت تلك القرية على أرض جديدة، وشُقت بها ترعة جديدة لا تزال آثارها موجودة إلى الآن في المنطقة الغربية من القرية، كانت تجري من الشمال إلى الجنوب، وهو ما يعني أن إقليم الفيوم كانت له خصوصية كبيرة سواء لدى الفراعنة أو البطالمة الرومان.

أقام البطالمة العديد من القرى كي تكون سكنا للرومانيين، وكانت قرية فيلادلفيا إحدى تلك القرى وأشهرهم، وتأسست ضمن مشروع بطليموس الأول (فيلادلفوس) لإنشاء المدن الجديدة والقرى والمجتمعات العمرانية، وكانت الفيوم ضمن هذا المخطط، الذي يهدف إلى ترسيخ وجود الجاليات الأخرى، واستقطاب القادة العسكريين وجذب رؤوس الأموال والمستثمرين من الدول الأخرى، حيث كان يتم منحهم بعض الأراضي، وكان جزء من الأجور في العهد البطلمي يدفع على هيئة خراج أرض، بمعنى أنه لا يتم دفع راتب على سبيل المثال يساوى 10 آلاف جنيه، وبدلاً منه يمنح الشخص أرض يمكنه من خلالها التحصل على هذا المبلغ، وهذا النظام كان له فائدتان الأولى: هي توفر محاصيل زراعية للدولة والشعب وللتصدير أيضًا، والثانية: تحصيل الضرائب التي تدخل في خزينة الدولة، وما يتبقى من أموال ملك لصاحب الأرض.

وتأتي أهمية قرية فلادلفيا، في أنها كانت المدخل الرئيسي لإقليم الفيوم في العهد البطلمي، وظلت منازلها بحالة جيدة حتى عام 1907، وبقي تخطيط القرية الذي لا يزال موجودًا على شكل قطعة الشطرنج وهو تخطيط روماني، ومنذ مطلع القرن العشرين انقطع عمل البعثات والحفائر في القرية، وخاصة بعد قيام الحرب العالمية الأولى، وتجريف أراضي القرية بكاملها في عام 1915، حيث تم هدم المنازل وأخذ الطوب اللبن واستخدامه كسماد للأرض الزراعية.

ضيعة أبوللونيوس

“أبوللونيوس” هو وزير المالية في عهد بطليموس الثاني، وكان يمتلك ضيعة كبيرة في قرية فيلادلفيا تقدر مساحتها بـ5 آلاف فدان، وكان يقيم في الإسكندرية، واحتاج لمن يباشر أعماله في الفيوم ويكون مسؤولًا عنها، فاستعان بشخص يدعى “زينون”، الذي ترك لنا “أرشيف زينون” الذي ساعد في معرفة كل ما كان يدور في تلك القرية من معاملات، وضم آلاف البرديات يوجد منها بالمتحف المصري أكثر من ألف بردية، ويضم هذا الأرشيف العديد من المراسلات والمخاطبات والتعاملات التجارية.

وحسب ما كشف عنه أرشيف زينون، كانت ضيعة “أبوللونيوس” داخل قرية فيلادلفيا بالفيوم لها مكانة خاصة في قلبه، حيث حرص على مراقبة كل ما كان يجري فيها بصفة مستمرة، وأوضحت تلك الوثائق كيف كان يرسل أبوللونيوس شتلات النباتات والأشجار لزراعتها في الفيوم، فكانت الضيعة تحتوي على كافة المحاصيل والفاكهة، والحيوانات والطيور، وخلايا النحل بكثرة، وفي إحدى البرديات الطريفة طلب أبوللونيوس أن يرسل إليه 50 أوزة كبيرة و60 دجاجة من الفيوم إلى الإسكندرية.

وفي وثيقة أخرى تحمل رقم (33)، يذكر فيها أن بيثون – Python وهو يشغل منصب مدير المصرف-، أعلن وبشكل رسمي أنه قدم قرضا بملغ 3700 درخمة، إلى أخيه أفارموستوس، وفي مقابل ذلك رهن له أخيه المدين كرما خاص به في قرية فيلادلفيا.

يصور لنا أرشيف زينون كيف تم استقطاب الفنانين والرسامين والموسيقيين من الإسكندرية إلى الفيوم، حيث كشفت إحدى البرديات عن مخاطبات بين زينون وأحد الرسامين الذين كانوا يقومون بالرسم على جدران المنازل والحوائط لتجميلها، وشملت المخاطبات التفاوض على الأجر والخامات المستخدمة، وأماكن شرائها.

ويشير الأرشيف إلى أن الفيوم كانت مقصدًا سياحيًا، حيث سجلت رسالة كتبها أحد كبار الموظفين الرومانيين في الإسكندرية وهو شخص يدعى “هرمياس”، إلى موظف محلي يقيم في الفيوم يسمى “اسكلبيادوس” يوصيه فيها بالاهتمام بأحد السائحين القادمين من روما إلى الفيوم، وأن يقوم بإدخال السرور إلى قلبه، وأن يجعله يشاهد تماسيح أرسينوي أو الفيوم.

وأوضحت بطاقات تم العثور عليها في القرية مع المومياوات، أنه من شروط الدفن في القرية أن يكون المتوفى مقيم بها وليس غريبًا عنها، وكشف الأرشيف أنه على من أراد مغادرة القرية والانتقال إلى قرية أخرى يجب عليه الحصول على تصريح بالمغادرة، وهذا لأن نظام الضرائب المتبع كان يقوم على تعداد السكان في المكان بصفة مستمرة من خلال البطاقات التي كان يحملها رب العائلة ومسجل فيها عدد الأفراد، ويقدم الشخص إقرار بذلك حتى لا يحدث خلط بين سكان المدن والقرى.

الفيوم مصدر البرديات

يقول الدكتور والأثري باسم جهاد، مدير عام إدارة التدريب بوزارة الآثار ورئيس بعثة الحفائر المصرية التي تعمل الآن بقرية فيلادلفيا: أشعر بالأسف لأن الاهتمام بالآثار المصرية يغفل فترة هامة من التاريخ المصري وهي فترة الـ600 سنة التي تنقسم إلى 300 سنة من الحكم البطلمي قبل الميلاد، والـ300 سنة عصر الرومان ما بعد الميلاد، وهما فترتان هامتان من تاريخ مصر.

وتابع: امتازت فترة حكم البطالمة التي أسسها بطليموس الأول، بأنها كانت تخضع للولاية المصرية، وتم استخراج الآلاف من البرديات الهامة التي سجلت ووضحت لنا تفاصيل كثيرة عن حياة الناس في تلك الحقبة الهامة، وكأننا نعيش حياتهم بكامل تفصيلها، حيث تضمنت البرديات عقود إيجارات، بيع منقولات، عقود زواج، مراسلات بين الأفراد، وكانت الفيوم مصدرًا لتلك البرديات.

منطقة الجبانات

يضيف جهاد، أن البعثة المصرية الحالية تعمل في قرية فيلادلفيا منذ عام 2017، وهي الآن في موسمها السادس، وتعمل بعثة فرنسية أخرى في المنطقة السكنية للقرية، وتم حصر منطقة الجبانة في حدود 300 فدان، والاهتمام بمنطقة الجبانات، حيث يمكن من خلال طرق الدفن وعاداته معرفة من كان يسكن في القرية، ومتوسط أعمارهم، ومتوسط سن الوفاة في تلك الفترة، والتي من خلالها نستطيع معرفة الحالة الصحية للسكان، كما يمكن معرفة نوعية الأعمال التي كانوا يقومون بها، وهل كانت هناك جاليات أخرى غير الرومانيين.

كما كشفت طرق الدفن في جزء من الجبانة، أن الدفن كان يتم عن طريق حفر عميقة تشبه البئر تؤدي لحجرة الدفن، وفي جزء آخر من الجبانات كان الدفن يتم في عيون في الجبل بعمق حوالي 2 أو 3 أمتار، وتم العثور في الموسم الماضي على إحدى تلك الجبانات، ونعمل خلال هذا الموسم على ترميمها، واستكمال طرازها المعماري للمحافظة عليها كنموذج للزيارة.

وتابع: نعمل حاليا على توثيق كل ما توصلنا له من طرق الدفن داخل منطقة الجبانات بالقرية، هذا بجانب المعلومات التي توصلنا إليها من خلال ما عثرنا عليه من قطع فخارية متغيرة الأشكال والتصاميم، والتي تؤرخ لفترات مختلفة مثل، بداية الفترة الرومانية أو نهايتها فكل فترة ولها طابع خاص حيث ضمت المدينة العديد من مصانع الفخار حيث وجدنا أواني فخارية كبيرة لحفظ وتخزين النبيذ.

وتشير البرديات أيضًا إلى أن أغلب المصريين في تلك الفترة كانوا يعملون في الفلاحة بالأرض الزراعية، ويترقى في الوظائف الإدارية بالدولة من كان يمكنه القراءة والكتابة باللغة اليونانية التي كانت اللغة الرسمية للدولة، وليست اللغة الديموطيقية أو المصرية القديمة.

واختتم رئيس بعثة الحفائر المصرية: لا يزال البحث والعمل مستمر بقرية فيلادلفيا، فليس بالضرورة العثور على تماثيل ذهبية أو قطع أثرية، لأن معرفة كيف كان يعيش الناس على تلك الأرض وتفاصيل حياتهم في فترة ما من تاريخ مصر يعتبر كنزًا لا يقل أهمية عن ما يكتشف من أشياء مادية.

______________________

الهوامش

“موسوعة مصر”، سليم حسن.

“قرية فيلادلفيا بالفيوم”، دراسة في الأهمية التاريخية والحضارية، د. رضوان عبدالراضي، أستاذ الآثار المصرية المساعد – كلية الآثار – جامعة أسوان.

الوسوم