“من كبرت عمامته”.. لماذا يرتدي الصعايدة “العِمّة البيضاء”؟

“من كبرت عمامته”.. لماذا يرتدي الصعايدة “العِمّة البيضاء”؟

تصوير: أحمد دريم
“من كبرت عمته الناس كلها في لمته”.. مثل شعبي اشتهر به أبناء الصعيد في جنوب مصر، إذ يحرصون علي ارتداء العمامة البيضاء المشهورة باسم “العمة”، لحمايتهم من حرارة الشمس والتباهي والزينة، وفي بعض الأحيان يستعمل أبناء قبيلة العبابدة والبشارية في الصحراء الشرقية “العمامة ” كبديل للكفن.

يقول الشيخ عوض هدل، رئيس جمعية العبابدة والبشارية في أسوان، إن العمة التي يرتديها أبناء القبيلة في الصحراء الشرقية يصل طولها إلى 5 أمتار علي الأقل، للوقاية من الشمس، ويستخدمها بعض أبناء القبيلة  كبديل للكفن “في حالة وفاة الشخص في الصحراء وتعذر شراء كفن جديد له”.

ويشير هدل إلى أن كل قبيلة لها طريقة معينة في لف العمامة البيضاء، إذ يمكن هذا الشخص عبادي أو بشاري من طريقة لف العمة، فهي تقي الإنسان من الشمس في فصل الصيف ويتغطى بها في فصل الشتاء أيضا في الصحراء.

ويؤكد على أهمية حجم العمة في صعيد مصر، موضحا العمة الكبيرة توحي بأن مقام صاحبها كبير، والبعض يقوم بلف العمة 3 أو 4 لفات وينزلها إلى أسفل لكي تغطي الرقبة والبعض الآخر يجعل للعمة ما يشبه الذيل وتسمي “عدبة”.

5 عمامات للفرد

يقول إبراهيم البرنس، منسق ائتلاف القبائل العربية في أسوان، إن العمامة لها تاريخ طويل وترمز للأصالة والكرم، وانتقلت من خلال القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية إلى مصر في فترة الفتوحات الإسلامية.

ويضيف أن العمامة تحمي الرأس من الشمس الحارقة الموجودة في صعيد مصر، والتي تتشابه مع درجة الحرارة الموجودة في شبه الجزيرة العربية، فضلا عن أن أهالي جنوب الصعيد يعملون في مجال رعي الأغنام والإبل.

ويتابع البرنس “أبناء محافظات أسوان والأقصر وقنا مازالوا محافظين على “العمة البيضاء”، والتي يصل طولها إلى ثلاثة أو أربعة أمتار في بعض الأحيان، وتكون مصنوعة من القطن وتتراوح أسعارها ما بين 100 إلى 200 جنيه حسب جودة الخامة.

ويحرص المواطن الصعيدي على أن تكون لديه 5 أو 6 عمامات على الأقل، واحدة منهن تكون قصيرة ولا يتجاوز طولها 3 أمتار ليستخدمها أثناء الذهاب إلى عمله في الزراعة، إضافة إلى عمامة أخرى يكون طولها حوالي 5 أمتار ويستخدمها في حضور المناسبات المختلفة وأداء واجبات العزاء والأفراح.

من كبرت عمته الناس كلها في لمته

ويشير البرنس إلى أن كل شخص له طريقة مختلفة في لف “العمة”، كما إنها ترمز إلى شخصيته ومكانته الاجتماعية في كثير من الأحيان، إذ يلبس صغار التجار “عمة” قصيرة طولها مترين فقط، بينما يلبس التاجر الكبير أو كما يسمونه شهبندر التجار “عمة” كبيرة يصل طولها إلى 6 أمتار أحيانا لتعكس ثراءه وقدرته المالية الكبيرة.

ويقول توجد العديد من الأمثال الشعبية المرتبطة بالعمة من أشهرها مقولة “من كبرت عمته الناس كلها في لمته” أي أن الشخص الثري الذي يرتدي عمه كبيرة يحظى بوجود الكثير من المقربين إليه بخلاف الشخص الفقير الذي لا يمتلك عمامة كبيرة.  

العمامة من الفراعنة للصعايدة

يقول عبدالمنعم عبدالعظيم، مدير مركز الحفاظ على تراث الصعيد بالأقصر، إن غطاء الرأس يستخدم في الصعيد نتيجة الجو الحار، وانتقل إلينا من أيام الفراعنة، وكان عبارة عن منديل يربط بطريقة معينة علي الرأس لحمايتها من الشمس ثم تطور إلى الطاقية الفلاحي، ومن أجل إحكام الطاقية بدأ اختراع العمامة التي تصنع من خام الدبلان حتى أصبحت شعار للصعايدة حاليا.

ويوضح أن طريقة لف العمة تختلف من مكان لآخر، فأبناء الطرق الصوفية يقومون بلف العمامة وتنتهي بجزء يسمى “العدبة ” حتى يعفو بعضهم البعض، كما أن مشايخ العرب يقومون بلف عمامتين فوق بعضهما البعض وليس عمامة واحدة خاصة في مناطق دشنا وفرشوط، لذلك يمكن لأصحاب الخبرة أن يتعرفوا على الشخص من طريقة ربط العمامة.

ويشير إلى أن بعض الأهالي في الصعيد بدأوا في استخدام الشال أو ما يسمى بالكشمير مع العمة، ويقومون بوضعه بطريقة معينة سواء بالطول أو بالعرض، من أجل الوجاهة الاجتماعية.

رمز الكرامة

وتضيف وفاء مبارك، مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الشابات المسلمات في مدينة نقادة سابقا، أن العمة تعتبر رمز للكرامة بالنسبة للرجال في صعيد مصر، وفي حالة نشوب مشاكل بين طرفين وقام أحدهما بإسقاط عمامة شخص آخر وألقاها على الأرض فإن ذلك يعتبر نوع من الإهانة.

وتضيف أن أبناء القرى في صعيد مصر حينما يعودون من وظائفهم يقومون بارتداء العمامة مباشرة ولا يذهبون إلى أي مكان في القرية أو خارجها بدون عمة، بخلاف أهالي المدن الذين يرتدون العمة بنسبة أقل تتراوح ما بين 10 إلى 20% فقط، ويكون معظمهم من كبار السن الذين تجاوزت أعمارهم الـ50 أو 60 عاما، أما الشباب في المدن فلا يرتدون العمة نهائيا.

وتشير إلى عدم وجود محلات متخصصة في بيع العمة على غرار محلات السجاد والفركة المنتشرة في مركز نقادة، لأنها عبارة عن قماش من الشاش الأبيض الخفيف الذي يتم شراءه من محلات الأقمشة أو يتم جلبه من دول الخليج مع العاملين العائدين من هناك.

وتقول إن أغلب التجار والجزارين يقومون بارتداء عمة كبيرة جدا بخلاف المواطنين العاديين الذين يرتدون عمة خفيفة أثناء تحركاتهم وقضاء حوائجهم.

العمة والحزن

يقول محمد شحاته العمدة، باحث في الثقافة الشعبية والأنثروبولوجيا، إن العمة في الصعيد تحوي رموزا عديدة، وأغرب تلك الرموز ما رصدته في كتابي “أغاني النساء في صعيد مصر”، وخاصة في الجزء الخاص بأغاني الحزن، فقد لاحظت تكرار تلك الكلمة في العدودة، فهن لا ينظرن لها بمنظور حماية الرأس من أشعة الشمس أو إخفاء الصلع أو تمييز الرجل عن المرأة، لكن الأمر تعدى ذلك بمقارنة العمة بالرجل.

ويوضح أن العدودة تقول “أنا قلت أقول لما عمتك لينا شايلاك للعازة وأنت خليت بينا”، أي أن وجود عمامة الزوج في البيت تشعر الزوجة بالأمان، وعندما ترحل تفقد هذا الشعور.

ويضيف أن هناك بكائية أخرى تقول: جعلت العمارة الطوب والبنا ترى العمارة، دخلة العمة فتقول هنا إنها كانت تعتقد أن العمار هو البناء والغنى، لكن بعد رحيل زوجها اكتشفت أن العمار الحقيقي هو وجود الرجل في المنزل والذي تصفه هنا بالعمة، وتقول عدودة أخرى “رجالنا طلعوا الجبل لمة مرشرشين الورد ع العمة” تصف هنا مشهد خروج جنازة الزوج وخلفه الرجال، ينثرون الورود على زوجها “العمة”.

وتقول في أخرى على لسان الزوج “أفوتلك عمة على السلاليم وإش فنت العمة بلا الغنادير” أي أن زوجها يقول لها إنه سيموت ويترك لها عمامته، فتقول له وما قيمة العمة بدون صاحبها، وأغاني كثيرة تصف قيمة العمة ومكانتها في مجتمع الصعيد، والذي يربط وجودها وقيمتها بقيمة الرجال في المجتمع.

العمة والحرارة

تقول الدكتورة نيرمين حمدي حامد، مدرس الملابس والنسيج بقسم الاقتصاد المنزلي بكلية التربية النوعية بجامعة أسوان، إن العمامة البيضاء لها سر كبير نحتاج أن نبحث عنه ونتعرف عليه بشكل أكبر لأن الإنسان يرتدي طبقات القماش في فصل الشتاء، لكي تحقق له عزل حراري من أجل الشعور بالدفء، ولكن على العكس يرتدي أبناء الصعيد العمامة في فصل الصيف ولا يشعرون بأي ضيق من طبقات العمامة، لأنها تحقق نفاذية كبيرة للهواء والغازات وتمتص الرطوبة بشكل كبير.

وتوضح أن أسباب إقبال المواطنين على ارتداء العمامة صناعتها من القماش الخفيف ولونها أبيض أي إنها تعكس أشعة الشمس وتقلل الإحساس بالحرارة، كما أن الطبقات المتعددة للعمامة  تغير من خواص القماش وتعطي تأثير مختلف لطبقات القطن، لأن بخار الماء الذي يخرج من  الجسم ثم يتخلل طبقات العمامة يعطي جو صحي للرأس أو الجلد ولا يشعر الإنسان بأي نوع من الضيق.

العمة ورقم 7

وتقول الدكتورة نيرمين إن أبناء الصعيد يحرصون على ارتداء العمامة باعتبارها رمزا للرجولة، وتوجد اختلافات كثيرة في طريقة ارتداء العمامة من بلد إلى أخرى، لذلك يمكن أن نفهم إلى أي بلد ينتمي الشخص من طريقة ارتدائه للعمامة، كما أن ارتفاع العمامة يعتبر رمزا للوقار بالنسبة لأبناء الصعيد، كما أنه يرتبط أيضا بارتفاع درجة الحرارة، لذا نجد أن العمامة في أسوان والسودان مثلا مرتفعة وعالية جدا مقارنة بالعمامة في محافظات وسط وشمال الصعيد.

وتوضح أن الكثير من أهالي الصعيد يقومون بلف العمامة 7 لفات، لارتباطها بالموروث الثقافي للرقم 7 منذ أيام الفراعنة، كما أن الأبناء يحرصون على ارتداء العمة الخاصة بوالده بعد وفاته كنوع من الاعتزاز بهذا الإرث.

وتؤكد أن غطاء الرأس بشكل عام يعتبر سمة مميزة للكثير من البلدان، ففي الصعيد يرتدي المواطنون العمامة البيضاء، و في السعودية ودول الخليج يتم ارتداء الطاقية والعقال والغترة، بينما يحرص الأتراك على ارتداء الطربوش، كما أن علية القوم يحرصون على ارتداء غطاء للرأس بطقوس وشكل معين منها على سبيل المثال المهراجا الهندي الذي يرتدي غطاء مميز للرأس.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

الوسوم