كيف ربط الفلاح المصري الشهور القبطية بأمثاله الشعبية؟

كيف ربط الفلاح المصري الشهور القبطية بأمثاله الشعبية؟ تصوير- أحمد دريم

كتب: الأرشيف المصري للحياة والمأثورات الشعبية

اليوم هو رأس السنة المصرية القديمة، والمصرى القديم قسم السنة لشهور ربطها بالزراعة ونظم لكل شهر مثل شعبي يعبر عن المناخ والأرصاد ومواسم الزراعة والحصاد، ولعل التقويم القبطي امتداد لهذا التقويم العتيق.

يقول القلقشندي في كتابه “صبح الأعشى في صناعة الإنشا” على لسان أحد الرحالة “عرفت أكثر المعمور من الأرض، فلم أر مثل ما بمصر من ماء طوبة، ولبن أمشير، وخروب برمهات، وورد برمودة، ونبق بشنس، وتين بؤونة، وعسل أبيب، وعنب مسرى، ورطب توت، ورمان بابة، وموز هاتور، وسمك كيك.

شهر توت يأتى في الفترة من  11 سبتمبر إلى 10 أكتوبر

ومن الأمثال “توت ري ولا تفوت” أي الفلاح الذي لا يستطيع أن يروي أرضه هذا الشهر لا يستفيد من زراعتها، المثل التالي “توت يقول للحر موت” بسبب انكسار الحرارة في هذا الشهر.

ومن أشهر الأمثلة “توت حاوي توت” أي أن الحاوي يتكلم بالعلم والمعرفة بلسان الإله توت، وكذلك “توت يا تروى يا تفوت”.

ثم يأتى شهر بابه في الفترة من 11 أكتوبر إلى 9 نوفمبر، ومن هذه الأمثال: “زرع بابه يغلب النهابة”، وذلك لكثرة المحصول في بابه فلا يظهر أثر اللصوص فيه مهما سطوا عليه وأخذوا منه.

يقول المثل “بابه خش واقفل الدرابة” أي الطاقة (النافذة الضيقة في البيوت الريفية) اتقاء للبرد في هذا الشهر، ويقول المثل أيضا “إن صح زرع بابه يغلب النهابة، وإن خاب زرع بابه ما يجيبش ولا لبابه” أي أن كثرة المحصول في بابة مربحة مهما انتهب منها.

ثم يأتي شهر هاتور، من 10 نوفمبر إلى 9 ديسمبر

“هاتور أبو الدهب المنتور” وهذا أبو الخير في البلاد، أبو الغذاء، القمح والذرة، القمح الذي يكون بذره في ذلك الحين. وكذلك الذرة الغذاء الأساسي للفلاح، وهذا أوان جنيها، ويقول المثل أيضا  “إن فاتك هاتور اصبر لما السنة تدور”.

ثم يأتى شهر كيهك من 10 ديسمبر إلى 8 يناير

وفي المثل “كياك صباحك مساك، شيل يدك من غداك، وحطها في عشاك” إشارة إلى قصر النهار في هذا الشهر وطول الليل.

ويقول المثل أيضا “البهايم اللى متشبعش فى كياك ادعي عليها بالهلاك”.

ثم يأتى شهر طوبة من 9 يناير إلى 7 فبراير

ومن الأمثلة في هذا الشهر “طوبة تزيد الشمس طوبة”، ويقول المثل “الغطاس عيد القلقاس واللى ما يأكلش قلقاس يوم الغطاس يصبح جته من غير راس”.

وفي طوبة يشتد البرد، ويقول المثل “طوبة تخلي العجوزة كركوبة”، أيضا “طوبه تخلي الصبية جلدة والعجوزة قردة”، وفي المثل أيضا “الاسم لطوبة والفعل لأمشير”.

ويقسم الفلاح المصري طوبة من حيث الطقس إلى ثلاثة أجزاء (طوبة) العشرة أيام الأولى من الشهر حيث يشتد البرد، و(طبطب) حيث البرد الذى يجعل الإنسان يطبطب أي يرتعش، والعشرة أيام الأخيرة (طباطب) أي تقلب الجو من الصحو إلى الممطر.

وبعد شهر طوبة يأتي شهر أمشير، من 8 فبراير إلى 10 مارس

“أمشير يقول للزرع سير سير، القصير يحصل الطويل”، لأن في هذا الشهر تبتدئ سخونة باطن الأرض، ويبتدئ الزرع في النمو.

ويقول المثل “أمشير أبو الزعابير الكتير ياخد العجوزة ويطير”، “امشير يقول لبرمهات عشرة منى خد وعشرة منك هات نطير العجوز بين السفكات”.

وقسمه الفلاح المصري أيضا إلى ثلاث أقسام: (مشير) ويقال لها عشرة الغنامي (الراعي) حيث ينخدع الراعى بالدفء، و(مشرشر) أو عشرة الماعز حيث يعود البرد للاشتداد ويكثر هبوب الريح وسقوط المطر وتنفق الماعز من شدة البرد، و(شراشر) ويطلق عليه عشرة العجوز حيث تبدأ العجائز في الحركة بعد ظهور الدفء.

ثم يأتي شهر برمهات من 10 مارس إلى 8 أبريل

يقول المثل “برمهات روح الغيط وهات قمحات وعدسات وبصلات”، وأيضا: “في برمهات، روح الغيط وهات من كل الحاجات”.

وتتعدد في هذا الشهر خيرات الحقل ما بين ثمار وخضر، لأن الشتاء يكون مودعًا والربيع مقبلً، ولعل أبرز ما في هذا المثال ما يؤكد أن هذه الكثرة من الخيرات في متناول الزراع مباشرة، فما عليه إلا أن ينزل الحقل حتى يعود بهذه الخيرات بلا مشقة ولا عناء.

ثم شهر برمودة من 9أبريل إلى 8 مايو

يقول المثل “في برمودة دق العمودة ولا يبقى في الغيط ولا عوده”، وبرموده يقابل في شهورنا الإفرنجية شهر مايو- وهو موسم حصاد الشعير والفول وبعدها سيكون القمح والبرسيم، حينئذ تشتد الحاجة إلى الأجران، ويتزاحم الفلاحون في حجز أدوارهم بها تمهيدًا لنقل محاصيلهم التي حصدت وكوّمت، وتركت لتزداد جفافًا لدرس هذه المحصولات بالنورج، هو دق الخشبة الرئيسية التي سيدور حولها النورج وإلى هذا يشير المثال “دق العمودة”.

ثم شهر بشنس، من 9 مايو إلى 7 يونيو

يقول المثل “بشنس يكنس الغيط كنس” ، هناك وقت تكون فيه الحقول خالية من المحصول- النبات القديم، فقد تم حصاده ونقله، ولم يزرع بعد نبات الصيف، وإنما تترك الأرض حينئذ لتجف وتستريح فترة تعد بعدها لاستقبال البذور الجديدة. ولذا فإن المثال صحيح الانطباق في أن الغيطان تكون خلال هذه الفترة مكنوسة كنساً، لا يرى فيها زرعاً ولا نباتاً. ويروى هذا المثل أيضاً ” في بشنس اكنس البيت كنس” وهي كناية عن تنظيف المخازن لخزن المحصول الجديد، وأيضا “فى بشنس خلى بالك من الشمس”

ثم يأتي شهر بؤونه  من 8 يونيو إلى 7 يوليو

يقول المثل “بؤونه نقل وتخزين المونة” أي المؤنة للاحتفاظ بها بقية العام، وكان التخزين أحد عادات المصريون القدماء، خشية الفيضان الجارف أو انقطاع الفيض.

ويقال “بؤونة الحجر” لارتفاع الحرارة فيه، “بؤونة تكتر فيه الحرارة الملعونة”.

ثم شهر أبيب 8 يوليو إلى 9 أغسطس

يقول المثل “أبيب فيه العنب يطيب”، “أبيب طباخ العنب والتين”، “إن كلت ملوخية في أبيب هات لبطنك طبيب”  ويقول المثل أيضا “أبيب مية النيل فيه تريب” نسبة إلى الفيضان.

ومنها: “في هد الجروف كل بيضة أخير من خروف”، وهدّ الجروف هي كناية عن هدم السدود التي بالترع لزيادة فيضان النيل، ففي هذا الشهر لا تجد الماشية مرعى لها فتضعف بعض الشيء بحيث تصبح البيضة لها قيمة غذائية أكثر من قيمة الخروف، وذلك مغالاة في وصف ضعف الحيوان.

ثم تنتهى السنة القبطية بشهر مسرى، من 7 أغسطس إلى 5 سبتمبر

يقال في المثل “عنب مسرى إن فاتك متلقاش ولا كسرة”، حث على الإسراع في الزراعة، ويقال “مسرى تجرى فيه كل ترعة عسرة”، حيث تزداد مياه الفيضان فتغمر كل مصر.

الوسوم