في موسم المانجو.. “الزبدة” تتألق محليًا و”الصِدّيقة” للخارج

في موسم المانجو.. “الزبدة” تتألق محليًا و”الصِدّيقة” للخارج تصوير أحمد دريم

كتب: فاتن الخطيب
تصوير: أحمد دريم

على مرمى البصر تتراص أشجار المانجو جنبًا إلى جنب بمركز ساحل سليم بمحافظة أسيوط، أحد أكبر المناطق إنتاجًا للموالح وخاصة المانجو.

خلال رحلتنا إلى ساحل سليم، كانت ذرات الهواء معبأة برائحة المانجو المبهجة، وتقف سيارات النقل محملة بأقفاص تلك الفاكهة التي قطفت توًا.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

في بستان العم بخيت أحمد، المزارع الستيني، خفيف الظل، كان يداعب العمال ويتبادل معهم الفكاهة، ومن فوق تبة طينية صغيرة بدأ العم بخيت يشرح رحلة الزراعة قائلا: تبدأ زراعة المانجو فى شهر فبراير من كل عام ومرحلة جمع الثمار تبدأ من شهر يوليو، “بنشك بلدى وبعدين نطعمها الطعم”.

الأصل أن تكون بذرة زراعة الشجرة من النوع البلدي، وبعد بدء نمو الشجرة، تُطعّم بالصنف الذي يريده الزارع، وتبدأ أولى مراحل زراعة شجرة المانجو بزراعة البذرة البلدي في المشاتل، وبعد النمو لمدة سنتين ننقل الشجرة من المشتل إلى أرضنا الزراعية، ويستغرق نمو الشجرة من خمس إلى ست سنوات، وبعد نقلها من المشتل وزراعتها في الأرض بسنة واحدة نضع الطعم، ويقدر عمر الشجرة بمائة عام.

يتابع العم بخيت: نزرع البذرة فى المشاتل، لأن بدء الزراعة بحاجة إلى عناية خاصة، وفي أماكن بعيدة تماما عن الحيوانات، فيكون جلب الأشجار من المشتل، بدلا من زراعتها، وفي أول ثلاث سنوات يُحظر تعرض الأشجار للصقيع والبرودة الشديدة لأنها قد تموت، لذلك نغطيها بالمشمع.

الطُعم

ينهض العم بخيت من مكانه، ممسكا بجذر شجرة صغيرة ليشرح أوضاع وضع الطُعم قائلا: الطُعم يتم بطرق متعددة منها القلم، فنمسك عقلة من فرع الشجرة ونفتح به جزء بالسكين، ويتم لصق الطُعم أو ربطه بالبلاستيك بشدة أو يُوضع بطريق الشرخ فى نصف الفرع.

والثمرة تخرج على حسب الطُعم فكل فرع تخرج ثماره على حسب الطُعم، وتستطيع الشجرة الواحدة أن تُنب أكثر من نوع، على حسب الطعم.

والطعوم منها: الزبدة، والصِدّيقة، والنامورسي، والتيمورة، والعويسي، ومبروكة، وجولوك، والخد، وغيرها من الأنواع، وتطعم بها الأفرع، وكل فرع لا يُطعم إلا بنوع واحد فقط من الطعوم أما الشجرة فأفرعها متعددة يمكن تطعيم كل فرع بنوع يختلف عن الآخر، وإذا تركت الشجرة بلا تطعيم تنبت ثمارًا من النوع البلدي.

الأفضل

يستأنف العم بخيت حديثه: أفضل الأنواع هو الزبدة، لأنها تتحمل النقل، وعمرها أطول، كما أن نسبة العصير بها أكبر، لذلك فالإقبال عليها أكثر.

الأكاروس عدو المانجو

نباتٌ أخضر اللون تشبه ثماره العقرب ينمو على جذور خضراء سميكة، يوضح العم بخيت أنه سبب معاناته فى رحلة الزراعة، واسمه الأكاروس.

تصوير: أحمد دريم

“لو الشجرة أكرست تموت على طول فهو يُوقف نمو المانجو ولو أصابت الفرع إصابة خفيفة تُعالج بالرش، لكن لو تفشى في الفرع يُقطع فورًا لأنه معدي، ويُلقى الفرع المبتور بعيدًا عن الأرض”، هكذا يقول بخيت.

موسم الحصاد

وعن مرحلة الحصاد يوضح: لجمع الثمار وقت محدد محسوب من وقت الزراعة وللثمرة حجم معين، وعندما يحين الوقت المناسب لجمعها، نروي الأرض ثم يصعد العمال أفرع الشجر ويهزون الأفرع فتتساقط الثمرات وحدها، وترش الأرض بالمياه حتى تكون رطبة “عشان المانجاية متتبطحش”، فلو سقطت الثمرة على أرض صلبة يحدث فيها شرخ، ولا يمكن تخزينها ولا بيعها، لأنها ستتعفن وتصيب بقية القفص.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

تراه صاعدا لأفرع الشجرة كما لو كان يصعد سلما كهربائيا يصعد بسرعة وبحرفية كأنه طائرا ما إن يضع قدمه على الفرع الأول حتى يصل إلى قمة الشجرة بسرعة خاطفة، إنه أحد العمال بالبستان، الذي يظل يهز الأفرع وتتساقط الثمرات، محدثة صوت ارتطام خفيف، حتى يتزين المكان كله أسفل الشجرة بالثمار الطازجة.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

ويعود صاحب البستان ليشرح: هو بيطلع الشجرة يرغط الفرع يعني يهزه تنزل الحبات واحدة ورا التانية لوحدها”، ولو تبقت حبات ولم تتساقط بمفردها نقطفها بـ”الخطاف”، ونصنعه نحن وهو عبارة عن عصا من جريد النخيل، مثبت أعلاها عصا أخرى صغيرة مثبتة على القمة بالعرض، على شكله يشبه حرف T، فهى لا تُقص كالرمان، بل لها طريقة جمع مختلفة، لأن بها نسبة مياه.

وبعد سقوط الحبات على الأرض نتركها لمدة نصف ساعة حتى تتشرب المياه التى بها “عشان تصفى الميه اللى فيها لو اتشالت بالميه تعمل تشوه وبقع سودة فى الحباية”.

تجمع ثمار المانجو وهي خضراء، ولا نتركها حتى تنضج بشكل تام وجزء قليل جدا “اللي بيستوي على الشجر”، ثم نضعها في أقفاص وبرانيك، ثم تدخل الحرارة الشديدة عن طريق جهاز اسمه جهاز الحرارة موجود بالشوادر وتظل لمدة 24ساعة “عشان تطيب”.

يستوعب جهاز الحرارة من 10 إلى 20 طنًا من الثمار، فالمزارع الصغير لا يستطيع أن يضع فيه ما حصده، لأن محصوله قليل فيبيعه للتجار، وهم يتولون مهمة إدخاله الجهاز وبيعه في السوق.

تصوير: أحمد دريم

الأقفاص متراصة والعمال يجمعون الثمار لتعبئتها، وبينما يُعبئون ضغط أحدهم على ثمرة فأخرجت ماء أبيض اللون، ويخبرنا بأنه إذا اقترب من جسد إنسان ترك أثرًا على جلده، مشبهًا إياه بـ”مية النار”، إذ إن هذا السائل يمثل تجمعًا للأملاح التي تحويها الثمرة.

الدول الأكثر استيرادًا

فى نفس المكان كان محمد أبو ضيف، تاجر، يجلس بجوار أكوام من الثمار المجموعة قبل تعبئتها، ليجيب عن سؤال أكثر الأنواع التي تلقى إقبالا فى التصدير: التيمورة والزبدة والعيسوية والمبروكة وأكثرهم الصِدّيقة، والزبدة أكثر استخداماتها للعصير.

أكثر الدول العربية استيرادا للمانجو السعودية والكويت والأردن، وفيما مضى كانت ليبيا الأكثر استيرادًا، أما أكثر الدول الأوربية استيرادًا فهي روسيا.

أما على المستوى المحلي فأكثر المحافظات طلبا للمانجو محافظة الإسكندرية، لأنها لا تزرع المانجو، بسبب انتشار المصايف، وإقبال محلات العصير على شراء المانجو، وكذلك شبين الكوم والعبور.

الأطفال يشاركون الكبار جمع المانجو- تصوير: أحمد دريم

بين قنوات المياه، المعدّة لري الزرع وأشجار الموالح، يتحرك أطفالٌ صغار، يزاحمون خطوات الكبار، يتقمصون دور الرجال، ويحملون بضع حبات من الثمار فرحين بعملهم، إنهم أحفاد العم بخيت الذي يقول: زراعة المانجو مربحة ولكن هذا العام نواجه خسارة، لأن الأسعار ارتفعت وسعر المحصول ثابت، الأسمدة والمبيدات غير متوفرة من الأساس.

يختتم العم بخيت حديثه: “الزرعة ولد المزارع، ولو الزراعة ماتت مات ولدي، دى المال والبنون”.

 

الوسوم