فخار “الغروري” بالفيوم.. عندما يتحوّل الطين إلى قطعة فنية

فخار “الغروري” بالفيوم.. عندما يتحوّل الطين إلى قطعة فنية

كتب ـ عبد الهادى الصبيحى:

الأواني الفخارية من الصناعات التي استخدمها المصريون منذ عصور سحيقة وبرعوا في صناعتها، بسبب طبيعة البيئة وتوفر طمي النيل.

وفي قرية الغروري، التابعة لمركز طامية بمدينة الفيوم، يأخذ الفخار اسم القرية، ويتميز بخشونته مقارنة بغيره، بسبب الاعتماد الكامل على تشكيله يدويًا، واستخدام دواليب قديمه في صناعته.

ومع أن صناعة الفخار تعود إلى عصور قديمة، فمنذ أن استقر المصريون في الوادي اكتشفوا روح الطمي الذي يجلبه لهم نهر النيل، وعرفوا كيف يستثمرونه، وصنعوا منه أوان فخارية مثل الأقداح والقدور وغيرها، وما زال الفخار حرفة يدوية تتميز بها قرى مصرية عديدة.

وعلى مدار 50 عامًا ماضية، عمل الأهالي في حرفة الفخار، مواجهين عدة مشكلات، ربما كانت سببًا في تعثر الصناعة، ومشارفتها على الاندثار.

وتشهد صناعة الفخار تطورًا مستمرًا، إلا أن أهل الغروري يعتمدون على أدوات بدائية في صناعته، فبعد أن يشكل الخزاف عجينته الطينية مستخدما يديه ودولاب الخزف، يجفف القطعة المشكلة ثم يحرقها في فرن كي ليعطيها الصلابة.

يقول سيد البشيهي، الذي تجاوز العقد السادس من عمره، أعمل بالفخار منذ طفولتي، فقد ورثت المهنة من أجدادي، منوها بأن الصنعة دخلت القرية منذ نصف قرن، ويوجد بها حاليا 25 فرنا.

ويضيف البشيهي “رغم أن ما ننتجه من فخار يعتبر بدائيا قياسا بمنتجات الخزف، إلا إنه منتج يحتاج لفن، فأنت تحول الطين إلى أشكال فنية، ولا يوجد شكل معين لقطعة الفخار، والصانع يصنع الشكل الذي يخطر على باله، لذلك هي مهنة إحساس من الطراز الأول.

ويقول جابر حامد، صانع فخار، “ولدت في عائلة اشتهرت بالعمل في حرفة الفخار، وورثت الحرفة عنهم، ورغم أنها حرفة متعبة، إلا أني أمارسها بمتعة، كما أتابع ما وصلت إليه الحرفة من تطور.

يتابع: أصبح هناك أفران تعمل بالغاز الطبيعي تقلل من نسبة الدخان الناتج من حرق الفخار، ودخل عليها جزء علمي من خلال الدراسة في كليات الفنون الجميلة، لكن عدم الإقبال على شراء الفخار جعل الحرفة غير مربحة، بسبب ارتفاع أجر العامل المساعد وقلة الطلب على المنتجات، ومشكلات التسويق، وتخلي الدولة عن دعم هذه الحرفة.

ويضيف حامد “أتحسر على حالنا عندما اتذكر طابور السيارات المحمل بما كانت تنتجه القرية كل شهر، فلم يعد هناك طلبا على كثير مما كنا ننتجه، فهل يستخدم اليوم بيت من بيوت الريف أو المدينة “قلة أو بكلة أو حتى زير” لتبريد المياه، أعرف أن منتجنا بدائي، لكن لماذا لا تتدخل الدولة وتدعمنا وتطور هذه الحرفة وتساهم في تسويق منتجاتها؟”.

“مفيش أستاذ جامعي ولا طالب من كلية الفنون الجميلة زارنا وقدم لنا نصيحة، احنا شغالين زي ما اتعلمنا من جدودنا”، هكذا يقول حامد بنبرة غاضبة.

وعن المراحل التي تمر بها قطعة من الفخار يقول محمد حمدي، يعمل بالحرفة منذ 20 عاما، تبدأ أولى مراحل إنتاج قطعة الفخار باختيار نوعية الطين المستخدمة، فهناك أنواع من الطين منها الطين الأسواني، والأسبوكلة والبروسلين، وطمي النيل، وأفضلها جودة هو الطين الأسواني.

يتابع: ثم يرطب الطين بالماء وتستمر هذه العملية حتى يصبح الطين قابلًا للتشكيل، وبعد ذلك تأتي عملية التجويف، وهي الخطوة التي يستخدم فيها صانع الفخار يديه في تشكيل جوف قطعة الفخار، ويعتمد فيها على لف الأسطوانة أثناء لف الطين الموجود عليها، وتستمر هذه العملية حتى يصل الصانع إلى الحجم المطلوب.

ويضيف حمدي أن بعض “الصنايعية” يرسمون نقوشًا وزخارف على سطح قطعة الفخار الخارجي قبل وضعها في الشمس مدة يومين لتجفيفها، ثم تأتي الخطوة الأخيرة بحرق قطعة الفخار في أفران لزيادة تماسكها وصلابتها، ونحن في “الغروري” نحرق في أفران يستخدم فيها الخشب.

ويطالب حمدى، بتدخل وزارة الثقافة لدعم هذه الحرفة التراثية من خلال مراكز الحرف اليدوية التي أنشئت لهذا الغرض، لكنها في الفيوم- مع الأسف- مجرد أسماء لانستفيد منه شيئا يذكر.

خلال مقابلاتي الكثيرة مع صانعي الفخار لاحظت قلة المساعدين لـ”الصناعية”،

لاحظت أثناء إجراء مقابلاتى، عدم وجود شباب أو أطفال داخل ورش صناعة الفخار، ولما سألت عن السبب قال لى أحد العمال. لانريد أن يتعلم أولادنا هذه الحرفة نظراً للجهد البدني المبذول وضعف المقابل المادي.

الوسوم