د. أمين الطويل يكتب:  أمير تاج السر والكتابة المنداحة فى صائد اليرقات

د. أمين الطويل يكتب:  أمير تاج السر والكتابة المنداحة فى صائد اليرقات

يحمل العنوان – عتبة النص الأولى – على كتفه هموم الكتابة الإبداعية ,والتى لاتعدو كونها يرقة صغيرة, تحتاج من يرعى ويتعهد ويهذب, حتى تصير فراشة مكتملة النمو ولا نقول حشرة ,تطير هذه الفراشة لتحط بين وجدان التلقى وسكر التعاطى, (صائد اليرقات ) رواية تخرج من قبضة القهر وتعود إليه, تحبس دمعة لاتخبر بها النهاية, إذ ربما تسقط فى ذهن القارىء المتخيل فقط, يتوزع الحضور الكثيف فى الرواية بين شخصيتين بينهما كثير من العلاقات الطردية والعكسية معا (معلم / تلميذ ,عدو / صديق ,صائد / فريسة)هما فرفار أو عبد الله حرفش (رجل الأمن المتقاعد )والروائي الذى رمز أمير تاج السر ب (أ.ت) بينما مجموعة شخوص تدور فى رحاهما , ولاتتوقف شخوص عن الدوران وصخب الحركة على المستويين الأفقي والرأسى(العمة – المدلك – حفار القبور– فتاة الجينز- صاحب مقهى البئر – صاحب المكتبة الميسيحى – الخياط ….إلخ ).

يظل المكان مسيطرا بفاعلية ملفتة على عضد الشخوص والأحداث والصراع , فى مناورة إبداعية بينه وبينهم, تفتح آفاق التأويل لمزيد من الروايات الهامشية أو الحكايات المراوغة تحت مسام الحدث الرئيس, مخلص الحكاية أوالمأساة, يثمثل فى فرفار الذى يحاول بعد أن فقد ساقه بإحدى عمليات التجسس على أعداء الوطن – كما يسمون غالبا لدى السلطة – ويفقد مع ساقه زميلا قضى وأخر أصابه شلل رعاش, ومن ثم فرضت الظروف نفسها على السلطة وفرفار معا, ولم يعد يناسب السلطة أن تستمر فى استعانتها بعين مبتورة, ومن ثم تأمره بتسليم العهدة التقليدية لكل رجل أمن (لاسلكى – سلاح ) ولم تترك له سوى حفنة أوراق صفراء كان يدشن بها تقاريره – وقت وظيفته- لكنها غدت  تلك الأنثى التى أدخلته مغارة الكتابة, الورقة إذن أنثى ناعمة سمحت له بالتمدد على جسدها الطرى وسكب شجونه وفتونه ورصيده من التنهيد0 يبدأ فرفار فى ارتياد مقهى قصر الجميز قاصدا أصحاب التجارب الإبداعية من الكتاب والروائيين , فيهاله ويفغر فاه المتطلع لهذا العالم وتلك الشخوص التى تتاجر فى الأفكار وتسوق بضائع للذهن وللكتابة, شخوص تغاير حتما هؤلاء الذين كان يشتبك معهم  من القتلة والمجرمين ومسوخ البشر, ومن ثم تنفتح ذاكرته الحادة على برارى الصانع الكبير وعمدة الورشة الإبداعية -الروائي (أ.ت) ذاك الصائغ الحاذق الذى أنجبت قريحته شخصيات كبائع الورد البنغالى والإسكافى الفقير فى رواندا وبائعة الهوى التائبة أمونة البيضاء, ولقد استحال المقهى مكانا رئيسيا مفارقا وظيفته الأولى بؤرة يخالس فيها أنشطة النخبة المسيسة ومراقبة أحاديثهم المائجة التمرد, وكتاب الرواية والشعراء, الذين يشكلون خطرا داهما على أمن الوطن, ويدهشه أيضا العوالم المتقابلة التى يخرج الإبداع من كنفها من بين (مخدع بغى (أمونة مغنية الراب الأثيوبية – السجن (رواية أبناء سعد المحتالون )- مرحاض عمومى للمجندين – بهو فندق (روايةعلى سريرى ماتت إيفا )…..لايكون فرفار فى البداية ضيفا مرغوبا فيه من تلك الجوقة التى تتحلق حول الروائي اللامع الذائع الصيت, لقبح ساقه الخشبية – والتى كان شخصيا يتأفف من وطأتها وعجزها عن القيام بمهامه, وبالرغم من ذلك يغير نسق حياته, بعد أن اصطدم بتلك العوالم الروائية التى تشاكل الواقع -متكئة على الخيال- فيبدأ باقتناء روايات (أ.ت) الشهيرة وغيرها من الروايات التى ستعينه على ولوج مضمار الكتابة الإبداعية, كما يشرع فى تحديد صيده الإبداعي من خلال شخصية صديقه حفار القبورالذى يشتغل بمهنة تشجيع فريق لكرة القدم, والمدلك أوالمهووس بقدراته التمثيلية على المسرح (زوج عمته) ويبدأ فى التغلغل لفضاءات الأول المكانية (الاستاد الرياضى – مستشفى الأمراض العقلية (مصيره )- القبر (حيث كان يعمل وحيث قبر ) والثانى(المسرح من خلال مشاهدة المسرحتين اللتين شاركا فيهما (مسك الختام – موت رجل أبلة )ومن ثم مؤازرته النفسية وكانت الثانية بوابة المدلك ليكون نجما إعلانيا يروج للمشروبات الغازية ويحصل على الشهرة والمال, بل يسافر وزوجته سائحين لدبي بدولة الإمارات العربية, ويسكن فندقا شهيرا (غلوم إخلاصى ), كما يستعين فرفار بملابسه القديمة (بذلتين عسكريتين)استعدادا للقاء الوحى الملهم للكتابة, ويبدأ فى ملازمة الروائي الشهير,الذى أصبح  قدوته ومعلمه ومختبر أفكاره, إذ يعرض عليه بداياته الشاحبة, ويتلقى منه التغذية الراجعة التى تعدل مساراته, وتقوده لشيئ من النضج والوعى بذلك الفن, وفى المقابل لايعامله الروائي بمبدأ مؤازرة الجمال الذى اصطنعه مع فتاة الجينز (س ) صاحبة رواية (لحظة حب ) …ولشد ماكان التباين بينها وبين فرفار الذى اغتاظ من طريقتها الرومانسية الفجة فى الكتابة, بالرغم من حضوره حفل توقيع روايتها.

ويشكل مقهى البئر المكان البديل أو الرديف الذى يشهد لقاءات الروائي بفرفار, بعيدا عن الجوقه أو المبتغين طريق الشهرة, وفى المقهى يفتح تاج السر زوايا كاميرات السرد, والتى تضيق وتتسع, فيرصد شخصية صاحب المقهى المخنث, وتجار الأبل الذين يرتادون المقهى, حتى إنه لاتفوته اللقطة العابرة لسيدة تبكى وهى تضع الأصباغ, فيخلق لنا من خلال الحدث الروائي رواية ثانية أو حكاية فرعية, عن زوجها الذى غيبته الحرب, ويصف لوعتها فى مناجاته وتوسلها رضا القدر كى يعود, ,كما فعل فى تصويره لرواية على سريرى ماتت إيفا, والتى هى رواية أيضا مبثوثة داخل تضاعيف روايته, كذلك تقاطعه مع السكرتيرة التفاحة أو السكرتيرة التى تعمل بشركة لتصدير المواشي, والتى طالت مراقبة فرفار لها فى مكان عملها, ربما تكون شفرة لإحدى روايته ,وتجيئ الفرصة لفرفار لتتوطد علاقته بالروائي أكثر, حيث توسط له وأخرجه من السجن بعد ان قبض عليه, بتهمة تكدير السلم العام , إذ يمثل المثقف لدى السلطة مجرد  جرذ مشبوه, لابد من إزاحته ,وإبعاد تأثيره عن المجاميع العريضة, ويموت حفار القبور وتموت معه شرارة إبداعية كان من الممكن أن تتولد عنها أو بواسطتها بذرة روائية, (أربع ميداليات ومدلك ) ومن ثم لايتبقى فى سلة الذهن سوى ثمرة هى شخصية المدلك – زوج العمة- وفيها يوظف تاج السر تقنية الحلم فى تشكيله لتلك الشخصية روائيا, ويضع تاج السر مطبا أو عقبة أو أزمة فى طريق السرد والأحداث باختفاء الروائي تماما من حياة فرفار, وفشله فى العثور عليه فى منزله أو من خلال الهاتف, وهنا تلعب الوساوس برأس فرفار مباراة ذهنية عصيبة, ويظن أن الروائي راقته شخصية حفار القبور أو شخصية المدلك, وهاهو يختبئ بمكان ما – كما يفعل دائما – حتى تخرج روايته التى سرق فكرتها منه, يتزامن ذلك مع استدعاء السلطة لفرفار, وإبلاغها له بعودته إلى مهنته القديمة مخبرا سريا, ويكون الروائي وفتاة الجينز الروائية وغيرهم من الكتاب أهدافا أمنية أو ضحايا تقاريره السرية, فيما عرف ب(ملف الطائر الذبيح ) لدى الأمن الوطنى, وتطلب منه السلطة – فورا- أن يتخلص من مكتبته (الخلايا السرطانية ) ومن قصاصاته الإبداعية الصغيرة ,والاستعداد لارتياد مقهى قصر الجميز, حيثما يجد مبتغاه من الصخب والهتاف والمناقشات والآراء المناوئة للسلطة.

ويظهر الروائي فجأة ويترك لفرفار رسالة فحواه أنه ينتظره بمقهى البئر, ويذهب فرفار لصيده الجديد حانقا ومتحفزا, لأنه بنظره  متآمر وسارق أفكار, وتنفجر المفاجأة التى تقلب الأمور رأسا على عقب, ويباغت الروائي فرفار ويخبره أنه استأجر منزلا بجوار بيت فرفار, ليكون على مقربة منه, وأنه اختاره ليكون موضوع روايته, لمارأه فى شخصيته من الغنى والثراء والمقاومة الشرسة للواقع ,غير أنه أجرى علي شخصيته بعض التعديلات متذرعا بالخيال, أبرزها توقعه عودة فرفار إلى الخدمة.

وهنا تنتهى الرواية, بعناق الواقع والتخييل, وتصفيق حاد للمبدع تاج السر, الذى وفق فى غرس سكينته بقلب التوقع…. ,وتتبلور ملامح الكتابة المنداحة أو المتوالدة كالأمواج , من الحكايات الفرعية التى أنجبتها الحكاية الأم ، فلا يفتأ القارئ يجد روايات فقط تحتاج بعض الرتوش والتفاصيل, لتصبح أعمالا روائية متكاملة- كما أشرنا- فى رواية على سريرى ماتت إيفا, وقصة الروائي نفسه مدرس الرياضيات, الذى يترك مهنته ويمتهن الكتابة الروائية, وهو اليساري المناهض للسلطة, وحكاية العمة وزجها المدلك وقصة حبهما وشجارهما المتواصل, ومصادر دخله المجهولة ,وحكاية حفار القبور أو مشجع الكرة, وحكاية المسيحى صاحب المكتبة والخياط وغيرها من الحكايات .

وتهتم اللغة الروائية بوزنها جدا على مستوى البناء والتراكيب ,فلا تجد لفظة مترهلة أو عبارة تعانى  حشوا |أوسمنة قبيحة ,وهى لغة تعلم ولا تحكى فقط, فقد عمد تاج السر إلى التنظير للفن الروائي من حيث قواعده وأصوله ,من خلال مقولات الروائى (أ.ت) المنشرة عبر الرواية عن ماهية وحدود ذلك الجنس الأدبي, وهى لغة تحتفى بخصوصية المكان (شجرة الألوب – مقهى قصر الجميز – مقهى البئر – المقابر – مبنى رعاية اللقطاء – الاستاد الرياضى – مستشفى القصر الأبيض (الامراض العقلية ).

كما تولى عنايتها ببعض الموروثات الشعبية (الملابس الصوفية الخضراء – المسبحة على العنق – سعف النخيل على الرأس –الطنبور – ملابس تجار الإبل – ملابس الإثيوبيات النادلات فى المقاهى – الملابس البيضاء فى المآتم-الاسمتاع للمطربين الشعبيين (فاطمة بنت لقاى)كما لاتترك نصيبها من وصف المفردات الغربية, شخوصا أو أمكنة أو مبادئ أو تيارت فكرية وإنسانية وسياسية (فندق إيروستار –الجيتار – بيوكويشيما – شانيسا- شارع بوشكين – رواية زاريب – زخاروف – كييف –يسارية –الشيوعية- كلوديا شيفر – ليناباروف-إيفا-أليكساندر يحي -)ولاتغيب عن المعجم الدلالي للمبدع بعض المفردات المبتكرة (القراءة علف الذهن – وجهه وجه ناقة – الكتابة يرقة- مؤازرة الجمال ).

وتلتمع الفكاهة من بين تضاعيف السرد من خلال (بدا لى وجهه وجه ناقة – خيانة الوطن (الوطن فريق لكرة القدم )- وصف التجار لولادة النوق- إغماء المدلك على المسرح بعد تناوله حبوبا مخدرة – الجماهير تحمل المدلك على الأعناق- وصف الفتاة الرومانية البدينة ) كما تحفل بالأسى والحزن الشفيف ,من خلال تجسيد شخصية حفار القبور ورسم حزن زوجته عليه بمستشفى الامراض العصبية, وتعاطف فرفار معه, ومواقف الشحاذة ,وصف مأساة بائعة الشاى, والمرأة التى غاب عنها زوجها وجلست لتبكيه فى مقهى البئر, وألم العاشق المخرج الموريتانى على محبوبته الرومانية, ومواقف الناس من فرفار بعد تركه الخدمة, والإهانات التى تعرض لها, كما تحمل الكتابة من خلال اللغة هم التغيير, فحياة فرفار التى امتلأت ظلما وغلاظة وجهالة ,استحالت إلى الرقة والرقى والجمال, حتى فى وصفه بيته قبل مشروعه الذى لم يكتمل مع الكتابه وبعده,.

حالة من التناقض الكبير تسلخ الشخصية من جلدها تماما, وتلقى بأوزارها وسواءاتها ومعايبها, لتتطهر بالأدب وبالتعايش والاحتكاك بالثقافة والمعرفة.

بالطبع لاتكفى هذه السطور القليلة فى مقاربة رواية صائد اليرقات, للمبدع السودان الكبير أمير تاج السر, لكنها انطباعات أولية عن قراءة أولي, أتمنى فقط أن تقارب تخوم العمل الإبداعي الكبير من نبض القارئ وذائقة التلقى وتفتح كوة مضيئة لدراسات لاحقة .

 

 

 

الوسوم