جميلة

جميلة

كتب ـ طارق عبد القادر:

جميلة، من مواليد البوسنة، يعرفها سكان شارع الجواهر في الحضرة بالإسكندرية “بالجميلة اللى ايديها تتلف في حرير” فهى تمارس مهنة العلاج الطبيعى فى بيوت مرضاها.

حرب أهلية في البوسنة. زواج من عراقي. حرب الخليج الأولى، العيش فى السعودية وخنقة النقاب. حرب الخليج الثانية. موت الزوج. كل هذا حدد اتجاه بوصلة اﻷلم إلى الأسكندرية، رأيت جميلة، وهى تعالج جدتي من أعراض الشيخوخة، طلبت منى جميلة، سيجارة فبدأالكلام والموافقة على تصويرها، كلمتها عن سينما المخرج الصربى أمير كوستاريتسا، وتحفته فيلم “تحت اﻷرض” وكلمتني عن حب الجسد الذى تتعامل معه كأنها أمانة الله، وكيف أن الله يحبها لأنه جعلها تخفف آلام أجساد المرضى ، وهى التى قررت الطبطبة على أجساد البشر بعد أن شاهدت العشرات منها وهى تتحول فى لحظة إلى أشلاء.

تخيرت جميلة، من الأرض بقعة تشبهها في أحايين كثيرة، دون افتعال ضجيج مؤذي لهشاشتها.

لمن لا يعرف ال” جميلة ” تظهر في أوقات يكون جفاف المشاعر شاهدا على صيرورة الزمن بقسوة في جسد جدتي ، ربما رقصت أو سخرت أو ضحكت، أو تحسست عنقها لتتأكد أن الأحوال عادية، عندما تظهر في منتصف النهار ، تكون الأرض أقل اتساخا بوقع الخطى، والنفوس تجلى عنها الاعتياد، ثم تخرج المكنونات على هيئة رسائل عشوائية، ثم هي تجن تماما، تماما كدعاء محتاج في صلاة، أو كهدية غير متوقعة من منسي، تغني “ليالي الأنس” في كل مكان لا فيينا فقط.

بالنسبة للعاجزين ومشتهي التلامس السريع فيقذفون أعضاءهم من أرواحهم ويخدشونها بعبارات تبحث عن رائحة منها، أي رائحة. فيما تحاول أن تربط بين سحابتين بمشية على أطراف أصابعها في شوارع الاسكندرية عندما تظهر في الظهيرة، أبقى عاجزا عن فهم ماحولي، ربما أنفصل لأقول شيئا ما، أبذله بإخلاص بوذيّ عار على سفح جبل، تظهر كالهلاوس بعد سيجارة حشيش. كان عليها أن تخترق ارتباكي بكلام جديد، أن تربت على الفارغ من رأسي، أن تلقمني أسرارها الواحد تلو الآخر حتى أعرف من أنا حقا! ـ وأتساءل من أنا حقا؟!- وعلى طريقة سكان الأمازون ـ أحب وقع كلمة الأمازون، لذلك أقحمتها في التشبيه – أصييييييييييح صيحة لا تسمعها.

ماذا يمكن أن يقال عنها ويكون جديدا؟ لا شيء! هناك أمثولة قديمة تقول: أن المهووسين بحالة ما، لا يحبون الفكاك منها إلا بالموت، وماذا لو أن الموت متاح كنجمة خضراء تضاء على جانب شاشة من النبضات الكهربية؟ الموت يومي إذن، لكنه ليس اعتياديا. ماذا يمكن أن يقال؟ هي تحمي أطفالها بدخان السجائر هي تربي عصافيرها في شنطتها هي تقيم أودية الحكمة بضحكة هي تشاغب بهدوء هي ترمي نفسها من الدور العاشر لتقع سليمة هي تحب الخائفين هي لا تحب الخوف هي ترفع الأرض إلى السماء فتشعر بالكآبة هي تصطاد البهجة بخفة هي تأكل أطرافها حتى إذا فرغت منها تقيأتها، وتعود سالمة إلا من رحيق يبقى طويلا.

بالنسبة للأحلام، فهي تعيش فيها ومنها وعليها كهدية ربانية. سأحاول أن أسرد شيئا من أمنيات الخيال وهي ليست كثيرة بالمناسبة: أن أربت على شعرها عند بكاءها وقت تذكر لحظات الحرب، أن أشاهد ابتسامتها من خرائب، من نميمة ناس عادية. فيما كنت أحاول أن أفرش يدي إلى مكان بالخيال لا يحلم لوصوله غيري، ذهبت…

حين تجلسوا قربها، اصمتوا فقط، اصمتوا وثرثروا بعيونكم كثيرا، ولا تجعلوا شفاهكم تنفرج إلا لملامسة أو غناء جيد. الفجر شحيح، ينطلق إلى حافة القلب ويرمي نفسه لمشاهد تتوالى كشريط عرض سينمائي. علينا أن نذهب إلى حافة القلب، وليكن كلامنا عفويا، ولنقول أول شيئين أو ثلاثة يخطرون ببالنا نقول الكلام دون أن نحرره في ذهننا، وأنتم كما تعلمون خوافون من أن تقولوا الكلام كما هو أغمضوا عيونكم وأنتم تقولون ، قفوا بثبات بعدها ولا تهربوا تجاهلوا المارة الذين يحاولون أن يذكروننا بقصص سخيفة عن حماقات ارتكبناها، حسنا! ارتكبنا الحماقات، واللعنة على العواقب، تلك التي تثنينا عن الارتجال، سيتصاعد دخان كثيف من رأسنا، سيستمر لفترة قصيرة، لنتجاوزه سنقع بعدها من على الحافة، نلقي بانفسنا بكل اخلاص، ونطير كما لو كنا سنموت الآن بعد جلسة علاج طبيعي من يدى” جميلة” .

 

الوسوم