الدوم.. ثمار أفريقية قادمة من عصور الفراعنة

الدوم.. ثمار أفريقية قادمة من عصور الفراعنة

تصوير: أحمد دريم

نخلة الدوم تزرع في مصر منذ أقدم العصور، وتتميز بشكلها الرائع الجميل، وحرص المصري القديم علي زراعتها بكثافة في الحدائق وكان يستخدم القردة في جني ثمارها، وعثر علي الدوم في العديد من القبور الفرعونية من أشهرها قبر الملك توت عنخ آمون في الأقصر.

يقول الدكتور عمر أبوزيد، مدرس الآثار المصرية بجامعة أسوان، إن نخلة الدوم هي في الأصل أفريقية، وتزرع في مصر منذ أقدم العصور وتكثر في صعيد مصر والواحات البحرية وبلاد النوبة والسودان .

يضيف أن الدوم يصنف على أنه من أشجار الزينة، التي كانت تزرع في الحدائق، وهو بطيء النمو وغلاف النواة خشبي، واستخدمت جذوع الدوم قديما كدعامات لأسقف المنازل، لأن حشرة  “القرضة” لا تستطيع أن تفتك به.

كما يصنع من سعف نخيله السلال والمقاطف والحصر والأطباق، بينما صنعت حبال أسطول الفرعون “ساحو رع” من ألياف نخلة الدوم، وبلغ طول الحبل الواحد نحو 300 ذراع.

ويشير إلى أنه عُثر على ماسورة بئر في الواحات الخارجة مصنوعة من خشب الدوم، وترجع إلى العصر الروماني، وهي محفوظة حاليا في قسم الزراعة القديمة بالمتحف الزراعي، ولا تزال هذه النوعية من المواسير تستخدم حتي اليوم في الآبار الجوفية العميقة

الأهمية التاريخية

يوضح أبوزيد أنه عثر على ثمار الدوم في قبور البداري في عصر ما قبل الأسرات، وعثر علي أول صورة لنخيل الدوم في قبر “كا- ام- نعرت” من عصر الدولة القديمة، وعثر أيضا علي ثماره في قبور دير المدينة بطيبة، بينما وجدت جذوعه في أكوام من الطمي في تونا الجبل عام 1931 من العصر الروماني .

ويضيف أن نخيل الدوم ذكر في بردية “ايبرس” الطبية، والتي تعتبر إحدى البرديات الطبية المصرية التي تعتني بمعرفة  الأعشاب، ما يؤكد على أهميته الطبية الكبيرة في علاج بعض الأمراض، كما نشاهد الدوم بوضوح على جدارن قبر “سن- نجم” بطيبة من الأسرة التاسعة عشر، في صورة تضم أيضا أشجار الجميز ونخيل البلح وهي مليئة بالثمار.

تحمل العطش

يقول حسين يس، أحد أبناء قرية الكوبانية غربي أسوان، إن شجر الدوم يشبه “الجمل” فهو يتحمل العطش والارتفاع الشديد في درجة الحرارة، وينتشر بكثافة في المنطقة الواقعة غرب النيل بمحافظة أسوان، خاصة في قريتي الكوبانية وفارس.

ويضيف أن شجر الدوم بقرية الكوبانية يعد من أفضل أنواع الدوم الموجودة في المحافظة، وينمو بشكل تلقائي دون أي تكلفة في الزراعة، ولكنه في نفس الوقت ينمو ببطء شديد، ويتميز بطول عمره، لدرجة أن الإنسان من الممكن أن يزرع شجرة دوم في صباه، ويستفيد أنباؤه من ثمارها.

ويوضح أن ثمار الدوم في الكوبانية تتميز بالمذاق الجيد والجودة العالية، كما يوجد وادي في قرية الكوبانية مليء بشجر الدوم يعرف باسمه “وادي الدوم”، وينمو فيه دون تدخل من أحد، والعجيب أنه لا يوجد أي مصدر سطحي للمياه في هذا الوادي ويعيش الدوم على المياه الجوفية .

 

مشروب رسمي في أسوان

يشير ياسين إلى أن الأهالي في أسوان كانوا لا يعرفون القيمة المهمة لشجر الدوم، إلى أن جاء اللواء صلاح مصباح، محافظ اسوان في بداية التسعينيات، وكانت زوجته طبيبة مرموقة، وتناولت التأثير العجيب للدوم في الوقاية من أمراض القلب، في حالة تناوله أخضر أو كمشروب عصير، وبعد ذلك قرر المحافظ أن يكون الدوم هو المشروب الرسمي لجميع ضيوفه  في مكتبه بديوان عام محافظة أسوان، وبعدها حصل عصير الدوم علي شهرة كبيرة داخل أسوان وخارجها .

ويوضح أن الدوم لم يكن له قيمة اقتصادية في السنوات الماضية، إلى أن بدأ استخدامه كعصير محبب للنفس، إذ تجفف ثمار الدوم وتطحن ثم يصنع منه العصير المثلج عقب إضافة اللبن إليه، وأصبح كثير من الأهالي يزرعونه لأن قيمته الاقتصادية لا تقل عن شجر المانجو.

القيمة الاقتصادية

يتابع أن جوال الدوم يباع حاليًا بـ500 جنيه، وتتكون شجرة الدوم من حوالي 6 أو 7 أفرع، وكل فرع منها ينتج جوال من الدوم، كما أن النوي الخاص بثماره يستخدم في صناعة أجود أنواع “زراير” الملابس.

يتابع أن شجر الدوم يمكن زراعته في وسط المحاصيل المختلفة، فالدوم ليس له ظل مثل الاشجار الاخري لذلك فهو لا يعيق وصول الشمس الي الزراعات

ويقول إن موسم جني الدوم يبدأ في شهر أبريل من كل عام، ويباع بالواحدة في الأسواق ويقبل الأطفال بقوة علي تناوله، كما أنه يجفف ويطحن ليصنع منه العصير طوال العام .

شجر معمر

ويقول الدكتور عمر عبد الحارث، نائب مدير الحديقة النباتية في أسوان، إن شجر الدوم يتبع العائلة النخيلية جنس هايفين، وهو من النباتات المعمرة والمعروفة في مصر منذ عصر الفراعنة وكان اسمه لديهم “ماما- ان- خنت ” وهو النبات المتفرع الوحيد من النخيليات، وينتشر الدوم في صعيد مصر والسعودية والسودان .

ويضيف أن أوراق الدوم الموجودة في الجريد تستعمل في صناعة الحبال والسلال، ويدخل الدوم في صناعة الأصباغ ودباغة الجلود.

 

الفوائد الطبية

يقول عبدالحارث، إن ثمار الدوم غنية بالفيتامينات والعناصر المعدنية أهمها فيتامين “أ” الذي يعمل علي قوة الإبصار، ويحتوي علي فيتامين ب1، ب2 اللذان يعملان علي تقوية الأعصاب، كما تحتوي علي مضادات الأكسدة التي تعمل على تأخير أعراض الشيخوخة، وأيضًا هي مفيدة جدًا لمرضى ضغط الدم، لأن الدوم ينظم ضغط الدم ويجعله في المستوي الطبيعي .

ويضيف أن الدوم يقلل أيضا من الكوليسترول في الدم، ويمكن تناوله كشراب بارد أو ساخن، وهو محبب للأطفال الذين يأكلونه رطبا، ويعمل الدوم علي تبييض الأسنان وتقوية اللثة، بالإضافة إلى استخدام بذوره في الصناعات السياحية المختلفة في أسوان مثل العقود وغيرها .

نبات مقدس

ويقول عبدالحارث إن الدوم كان نبات مقدس عند الفراعنة، وهو موجود على نقوش المعابد المختلفة منذ آلاف السنين، وهو مفيد للخصوبة عند الرجال، لاحتوائه على الكثير من الفيتامينات المفيدة صحيا .

ويتابع أن هناك مجموعة من أشجار الدوم في الحديقة النباتية بأسوان تجرى عليها أبحاث ودراسات علمية مختلفة، إضافة إلى أن هذه الأشجار تعطي إنتاجًا وفيرًا سنويا، يباع في مزاد علني كل موسم .

ويطالب نائب مدير الحديقة النباتية بضرورة التوسع في زراعة أشجار الدوم، لأنها ذات عائد اقتصادي جيد ويتراوح إنتاج شجرة الدوم ما بين 200 إلى 300 كجم تقريبا.

الوسوم